الرئيسية | المعتقدات الدينية عند الشعوب | سلسة المعتقدات الدينية عند الشعوب – يكتبها في حلقات المهندس: مصطفى ع محمد الحلقة ( 1 )

سلسة المعتقدات الدينية عند الشعوب – يكتبها في حلقات المهندس: مصطفى ع محمد الحلقة ( 1 )

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 

 

 

 

 

 تتناول (( تمهيد لدراسة الأديان- تعريف الدين– تصنيف التعريفات ومناقشتها- خطة العمل))

تمهيد

إن الغرض من هذه السلسة هو تعريف القارئ بأهم المعتقدات والأديان التي توجد في عالمنا,وبعض المعتقدات القديمة التي لم يعد لها أتباع الآن.

هذا النشاط الإنساني الذي ظل يلازم الإنسان منذ بداية ظهوره، كما ذكرتها الدراسات التي أكدت أن الإنسان في بدايات ظهوره على الأرض كان يشعر بقوة عِلوية تتحكم به وبما حوله ، وكان يتقرب إلى هذه القوة بوسائل وطقوس متعددة.

ومع بروز فجر الحضارات الكبرى كان الدين محوراً أساسياً في تنظيم وترسيخ أسس تلك الحضارات.ولم تخل أية حضارة من نشاط روحي، كما أكده المؤرخ الإغريقي (بلوتارك) حينما قال: (وجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور... ومدن بلا مدارس ... ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد).

وإذا أردنا الدقة فإن الإنسان كائن ديني, يبحث دائما عن مُطلق يخضع له ,وعن تفسيرات لما يحدث حوله من ظواهر مُبهمة.

هذا الميل نحو المطلق يسمى في المفهوم الإسلامي (الفطرة), والتي ذكرتها الآية : (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها) وحسب المفهوم الإسلامي فإن الله إذا لم يرسل رسلاً وأنبياء فإنه سيقع انحراف في هذه الفطرة.

 وهذا ما قد يفسر ظهور الوثنية, وتعدد الآلهة في الحضارات المتعاقبة. فمع أصالة نزعة التدين فإن الإنسان بحاجة إلى من يوجه هذه النزعة توجيها قويما. وهذه هي مهمة الأنبياء بالدرجة الأولى. فكل الديانات المنتشرة على سطح الأرض, وعلى الرغم من تنوعها وتباينها في الظاهر ,فإنها تشترك في الخضوع لمطلق هو الله. كما إن علم الأديان المقارن يؤكد على وجود بعض العناصر المشتركة بين الأديان الإبراهيمية, وأديان الشرق الأقصى: البراهمية ,البوذية........تؤكد على الفكرة القائلة بأن هذه الأديان هي بقايا وحيٍ قديم. فمن غير المستبعد أن يكون زرادشت مثلا وبوذا أو كونفوشيوس أو لاوتسو أنبياء بقيت جوانب من دعوتهم إلى الآن بين أتباعهم. والأديان الإبراهيمية الثلاث(اليهودية,المسيحية,الإسلام) تتشابه فيما بينها, تدل على أن المصدر هو واحد.

لذا فمن الخطأ الشائع القول بأن الرسالات السماوية كانت محصورة في منطقة الشرق الأدنى, ولكن وكما يقول القرآن:(وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) نحن لن نجد أي دين يدعو أتباعه إلى التحلي بالرذيلة, وترك الفضيلة. كما أننا لن نجد أي دين يحض أتباعه على القتل أو السرقة أو أكل حق الآخرين؛ فالعنصر الأخلاقي بارز تماما في كل الأديان.

و سنجد أن القاسم المشترك بين المتدينين أنهم يقدسون قوة ليست مادية, ولا فكرة مجردة، بل هي حقيقة خارجية وسرٌ غيبي لا تدركه الأبصار, هذه القوة لها عناية مستمرة بشؤون العالم الذي تديره, و تجاوباً نفسياً مع نفوسهم.

ويمكن ملاحظة خطأ شائع آخر, وهو الخلط عند بعض الباحثين بين السحر* والتدين.

فالدين ليس سحرا ولا السحر مرحلة من مراحل تطوره. فالإيمان بقوى سحرية كالأشباح مثلا ليس إيمانا بقوة علوية تتحكم بحياته, بل هو إيمان بقوة يمكن التحكم بها بوسائلهم الخاصة, وهو عكس الدين الذي فيه معنى الخضوع والتذلل لهذه القوة.

ومن المفاهيم الخاطئة أيضا في دراسة الأديان مفهوم "البدائية" والتي ترى إن الإنسان كان بدائيا في تفكيره وفي استيعابه للظواهر المحيطة به, ثم ارتقى بتفكيره وتطورت العقائد من التعدد إلى التوحيد كما تطورت وسائل الإنتاج. وهذا المفهوم الخاطئ قد شاع في القرن التاسع عشر عند الانثروبولوجين الغرب, لكن تم تصحيحه ومراجعة مفهوم الإنسان البدائي.

إن التطور الصناعي والتكنولوجي لا يرتبط أبدا بتقدم روحي؛ فالإنسان القديم قد يكون بدائياً في وسائله المادية, لكن لا نستطيع أن نقول انه بدائي في نظرته ونزعته الدينية. فالأسئلة الكبرى مثل لماذا وجد الكون؟ وإلى أين مصير الإنسان؟ ما زالت حتى الآن تُؤرق تفكير الإنسان. كما لا نستطيع أن نقول بأن الأخلاق تخضع لعملية التطور كما في الأشياء المادية؛ فالصدق يبقى صدقا مهما تعاقبت عليه الأزمنة. النزعة الدينية عند الإنسان لم تأت بالتطور، بل هي فطرية، وهي تختلف عن المعرفة و الصناعات التي تطورت بمرور الزمن. فهي فروع مكتسبة.

وأختتم هذه المقدمة بما ذكره عالم النفس الأمريكي (سكينر) وهو من رجال المدرسة السلوكية: (إن سقراط لو بعث في أيامنا الحالية لاكتشف مفاجأتين: الأولى هي شعوره بأنه طفل صغير لا يفقه شيئاً في العلوم الحديثة، وسوف يصعق من المعلومات الجديدة عن الفيزياء النووية بتركيب مضاد للمادة، وعلم البيولوجيا وكشف التركيب الجيني في نواة الخلية. ولكن المفاجأة الثانية هي أن العالم لم يتغير كثيراً في الحوارات الفلسفية، والأخلاق العلوم الإنسانية, وسيجد نفسه يخوض فيها خوض المغامر الجسور).  

 

vb_869139833.jpg

 

تعريف الدين

قبل عرض المعتقدات المتنوعة في العالم, سنورد بعض نماذج من التعريفات المتنوعة.فالباحث في هذا الشأن سيصطدم بتعريفات كثيرة لماهية الدين لدرجة أن هذه التعريفات تتعدد على قدر من تعامل معها. لذا آثرنا أن نعرض تعريفات لأشهر علماء الأديان, ثم ستكون لدينا وقفة تحليلية حول ذلك.

لكن وقبل كل شيء أود توضيح التعريف الإسلامي لمفهوم الدين,فقد عرّفه بعضهم فقال:( وضع الهي سائقٌ لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال,والفلاح في المآل),ويمكن تلخيص التعريف بقولنا:(وضع الهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات.وإلى الخير في السلوك والمعاملات )

 أما الغربيون فلهم في ذلك تعبيرات شتى وهذه نماذج منها.

يقول سيسرون في كتابه(عن القوانين) ((الدين هو الرباط الذي يصل الإنسان إلى ربه))

ويقول كانط,في سلسلة (الدين في حدود العقل)((الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية))

ويقول شلاير ماخر,في (مقالات عن الديانة) ((قوام حقيقة الدين شعورنا بالحاجة والتبعية المطلقة))

ويقول الأب شاتل في كتاب (قانون الإنسانية) ((الدين هو مجموعة واجبات المخلوق نحو الخالق:واجبات الإنسان نحو الله,وواجباته نحو الجماعة,ووجباته نحو نفسه))

ويقول روبرت سبنسر,في خاتمة كتاب(المبادئ الأولية) ((الإيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمانية ولا المكانية, هو العنصر الرئيسي في الدين))

ويقول تايلور,في كتاب (الثقافات البدائية) ((الدين هو الإيمان بكائنات روحية))

ويقول ماكس ميلر في كتاب(نشأة الدين ونموه) ((الدين هو محاولة تصور ما لا يمكن تصوره,والتعبير عما لا يمكن التعبير عنه,هو المتطلع إلى اللانهائي,هو حب الله))

ويقول ايميل دوركايم, في (الصور الأولية للحياة الدينية) ((الدين مجموعة متساندة من الاعتقادات والأعمال المتعلقة بالأشياء المقدسة-أي المعزولة المحرمة- اعتقادات وأعمال تضم إتباعها في وحدة معنوية تسمى الملة))

 تصنيف التعاريف ونقدها :

 بعد عرضنا لبعض تعاريف علماء الأديان يتبين لنا أن حقيقة الدين لا تكفي في تحديد فكرة الاعتقاد بإطلاق أو فكرة الخضوع من حيث هي. وكان لابد من إضافة بعض القيود التي كان الغرض منها إبراز عناصرها الأساسية, وتلك هي المحاولة التي بذلها الباحثون حين قدموا لنا مختلف التعريفات التي أوردنا الآن جانبا منها.

على انه ليس من الصعوبة بمكان أن يلاحظ من يستعرض هذه التعاريف-الإسلامي منها وغير الإسلامي-أن أغلبهم حصر مُسمى الدين في نطاق الأديان التي تتخذ معبودا واحدا,هو الخالق المهيمن على كل شيء, وكل ديانة تقوم هي أو جانب منها على عبادة التماثيل,أو عبادة الحيوان,أو النبات,أو الكواكب,أو الجن,أو الملائكة.....الخ.تخرج بمقتضى هذه التعاريف عن أن تكون ديناً.

لكن منهجنا سيقوم على اعتبار أي نشاط روحي للإنسان قديماً وحديثاً, ديناً. وسنجد أن القرآن سمى عبادة الأصنام ديناً, عندما وجه خطابه إلى من يعبدها بقوله: ( لكم دينكم وليَ دين ).

نحن لن نُدخل بحثنا في دائرة المقارنات, وتحديد ما هو صحيح, وما هو خاطئ. ولن نُقحم أنفسنا في متاهات النقد والتحليل, إنما سنتوقف عند حدود الوصف والتوضيح.

وبالنهاية, لا نستطيع أن نتعامل مع العلوم الإنسانية كما نتعامل مع العلوم الطبيعية؛ فتعاملنا مع الذرة والإلكترونات مثلاً هو تعامل جامد, لا مشاعر فيها, وهو عكس تعاملنا مع إبداعٍ إنساني أو نشاطٍ روحي, فجزءٌ من ذاتيتنا وآرائنا الخاصة وما نؤمن به, وندعو إليه, سيكون حاضرا ولو ادعينا الموضوعية.

 

 

 

خطة العمل :

سيكون تقسيمنا للعمل على النحو الآتي :

الباب الأول :سنستعرض فيه عقائد الشرق الأدنى القديمة وهي ( دين قدماء مصر – معتقدات قديمة في بلاد الرافدين – معتقدات إيرانية قديمة : الزرادشتية, المزدكية,المانوية)

الباب الثاني : سنستعرض فيه عقائد الشرق الأقصى وهي( الهندوسية – البوذية – الجانتية – السيخية – الكونفوشيوسية – الطاوية – الشنتو – كبير-النبلاء-ارض الديانات )

الباب الثالث : سنستعرض فيه عقائد قدماء اليونان والرومان .

الباب الرابع :يستعرض الديانات التوحيدية ((الإبراهيمية)) وهي ( اليهودية- المسيحية – الإسلام) ,وكذلك سنستعرض الإصلاح الديني .

الباب الخامس والأخير:سنستعرض فيه بعضا من المعتقدات والديانات الأخرى.

 

مصطفى ع محمد    كوباني

komahestiyan@yahoo.com

 

الهوامش :

*السحر صناعة يقصد منها إحداث الخوارق بطرق خفية. وهو فن يتشعب إلى شعب كثيرة فهو كما يختلف من حيث قيمة أهدافه(غذ منها الخيرة  كشفاء المرضى ومعرفة السارق ومنها شريرة كجلب الأمراض وإيقاع العداوة بين الأزواج) يختلف كذلك من حيث مناهجه ووسائله فمنه ما يعتمد أسبابا طبيعية وهو المسمى بالسحر الأبيض ومنها من يستدعي وسائل روحانية,وشيطانية على الأخص وهو المعروف بالسحر الأسود.

 

يمكننا التواصل وتقبل تعليقاتكم وانتقاداتكم من خلال عنواني التالي :   Komahestiyan@yahoo.com      (Îdîglat )                                                      أو من خلال تعليقاتكم في      www.semakurd.net

                                                                                         تحية وأمنيات طيبة.

مصطفى ع محمد    كوباني

                                                                                   في  25-9-2008

إضافة إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

Subscribe to comments feed التعليقات (36 تعليق):

جوان احمد في 06 تشرين الأول, 2008 06:31:16
avatar
وأخيراً نُزل أول الخبر....مبارك هذا العمل الفريد والجميل من نوعه...
اتابع بتشوق هذه الامور والعقائد وأحب الاستزادة أكثر
تحية الى ىصديقنا النشيط مصطفى ومع المزيد من النجاح
Thumbs Up Thumbs Down
0
وردة مشي في 06 تشرين الأول, 2008 08:06:15
avatar
شكرا لهذه المساهمة وسنتابعها بكل سرور
Thumbs Up Thumbs Down
0
nuraman388@hotmail.com في 06 تشرين الأول, 2008 08:23:47
avatar
السلسلة شيقة ومووع البحث ممتاز
Thumbs Up Thumbs Down
0
جميل في 09 تشرين الأول, 2008 09:41:33
avatar
السلسلة مهمة جدا واستفيد منها كثيرة ارجوا المتابعة وشكرا للكاتب

كوردستان العراق
Thumbs Up Thumbs Down
0
نور محمد في 09 تشرين الأول, 2008 03:51:10
avatar
شكرا على المعلومات او الاستفسار والتعرف كثيرا على الديانات
وسراسل تعليقا الى الكاتب حول ذلك
Thumbs Up Thumbs Down
0
زوزان خليل مشي في 09 تشرين الأول, 2008 04:01:44
avatar
انا من المتابعين لهذا البحث..زوستفيدني المعلومات جدا وخاصة عندما قرات خطة البحث والعمل شكرا
Thumbs Up Thumbs Down
0
عمر عثمان في 12 تشرين الأول, 2008 03:19:29
avatar
انا سعيد بهذه الزواية المفيدة وساتابع قرائتها بشكل دوري
وشكرا
عمر عثمان-جوم علي
Thumbs Up Thumbs Down
0
ahmed berazi في 12 تشرين الأول, 2008 06:11:08
avatar
silav u rez mamoste mistafa.
Be rasti,ew nivisen teyen xwesh min gelaki balkesh u shad diken, hevidarem te her berdewam bi, u her bijittttttttt.
Herweha ji dixazem komita u hendamen malpera semakurd,silav u sipas bekim,
ji ber ko ez debinim malpereke(piroze)

ahmed berazi

Thumbs Up Thumbs Down
0
nahed madi في 12 تشرين الأول, 2008 08:04:23
avatar
موضوع يستحق المتابعة والقراءة
Thumbs Up Thumbs Down
0
عمر عثمان في 14 تشرين الأول, 2008 04:47:32
avatar
انا ملتزم بمتابعة كل ما يكتبه صديقنا العزيز....وارسلت له كذلك عدة ايميلات تاكيدا على مثابرتي لزوياه واقول كم كنا في سما كرد نفتقد شاب بكل هذه الابداعية والروعة
الاستاذ عمر عثمان- سيدني
Thumbs Up Thumbs Down
-1

إضف تعليقك comment

الرجاء إدخال الكود الموجود في الصورة:

  • email إرسال إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية (للجوال)
قيم هذا الخبر
4.48
Powered by Vivvo CMS v4.1.6