الأصول الطبقية للظاهرة العذرية: ...عن كتاب الناقد : محمد بلوحي : الغزل العذري.
لقد كان تركيز القراءة التاريخية للظاهرة العذرية منصباً على تمييز جانب الحقيقة من الخيال لهذه الظاهرة من خلال توثيق أخبارها، وفحص مصادرها، والتحقق من نصوصها وبيان وجه الصدق والكذب في مانسب إلى شعرائها من قصص وحتى نصوص شعرية. وهذا ماحدا بالقراءة التاريخية إلى التفصيل في الروايات والأخبار، مهتمة بالخبر كخبر ومقصية بذلك أبعاده الجمالية والنفسية والاجتماعية.
إن انحصار القراءة التاريخية فيما سبق ذكره، دفع النقد الأدبي إلى البحث عن مناهج جديدة تتخطى القراءة التاريخية، وتهتم بسياقات النص الإبداعي وأبعاده الثقافية وفعالية المجتمع ودوره في صنع العالم الإبداعي لهذه الظاهرة؛ وبذلك انكبت القراءات السياقية على تأمل التاريخ الأدبي من حيث هو حامل لعقليات ووجدانيات جماعية مفسرة الظواهر الإبداعية من حيث هي ظواهر متكاملة في طرحها للوعي الجماعي للمجتمع.
إن تأثير العلوم الإنسانية الحديثة في النقد الأدبي بدا واضحاً في القراءات السياقية الحديثة للتراث العربي، فأمدّتها بأدوات إجرائية جديدة لم تكن تمتلكها في ظل القراءات القديمة.
تعد القراءة الاجتماعية من القراءات السياقية التي فتحت المجال أمام النقد الحديث ليتعامل مع التراث العربي برؤى وأدوات جعلت من التاريخ عنصراً مرجعياً أساسياً في تشكيل الفضاء الإبداعي للظواهر الأدبية؛ لذلك أضحى البعد الأيديولوجي الذي تقوم عليه هذه الظواهر مصدر اهتمام خاص لدى القراءة الاجتماعية التي كانت تركز دائماً على تلك العلاقة القائمة بين الأدب والمجتمع، فبدون هذه العلاقة لم يكن تصور وجود الظواهر الإبداعية الكبرى، وأن البيئة الاجتماعية هي المصدر الأساسي للتصورات الجماعية التي تميز طبقة عن طبقة أو عصر عن عصر آخر بأبعاده الاجتماعية والثقافية والسياسية، إذ الأثر الإبداعي في عمومه فضاء واسع تظهر فيه الصراعات التاريخية والتناقضات الاجتماعية من العصور، وعليه فإن جدلية علاقة الأدب بالمجتمع تبدو ضرورية للقراءة الاجتماعية، وبذلك ربطت هذه القراءة الظواهر الإبداعية بالتحولات الاجتماعية محاولة الكشف عن سياقاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية.
فالصراع الطبقي من المقولات الأساسية التي تمثل منطلقات القراءة الاجتماعية التي حاولت من خلالها مقاربة الكثير من الظواهر الإبداعية الكبرى على اعتبار التناحر الطبقي داخل المجتمعات أحد الروافد الأساسية لتشكيل الوعي الجمعي داخل هذه المجتمعات، وأن الظواهر الإبداعية ليست نتاج وعي فردي مستقل بذاته، بل هي تعبير عن لحظة الوعي الجماعي الذي يشكل لحظة فريدة في التاريخ تتولى الكتابة الأدبية تسجيله والتعبير عنه تعبيراً إيجابياً.
فالظاهرة العذرية من الظواهر الإبداعية الكبرى في التراث العربي التي كانت ميداناً رحباً لكثير من القراءات النقدية. فالقراءة الاجتماعية واحدة من هذه القراءات التي حاولت مقاربتها، والوقوف على جوانبها الاجتماعية التي كانت من العوامل الأساسية في تشكيل فضائها التاريخي والإبداعي.
إن الأساس الطبقي للظاهرة العذرية من أولى الجوانب التي أثارتها القراءة الاجتماعية معتمدة في ذلك على جوانبها التاريخية والسياسية التي واكبت ظهورها في العصر الأموي، ولا سيما أن العصر الأموي في حد ذاته، يشكل تحولاً بارزاً في التاريخ الإسلامي في بعده السياسي والاجتماعي والديني في بناء الحضارة الإسلامية بأبعادها المختلفة.
يعد "طه حسين" من أوائل النقاد الذين أضفوا على الظاهرة العذرية بعداً طبقياً، وأنّ التجديد الذي لحق بالغزل في العصر الأموي سماه بالتجديد "الفقراء واليائسين، وهو هذا الشعر الذي شاع في البلاد العربية في الحجاز وفي نجد، والذي إن صور شيئاً فإنما يصور الطموح إلى ماليس له سبيل، والنزوع إلى مالا أمل في الوصول إليه، وهو ماتعودنا أن نسميه الغزل العذري. "فجميل" عندما كان يتغزل بصاحبته "بثينة" لم يكن يفكر في "بثينة" بقدر ماكان يفكر في هذا الترف الكثير الذي كان يراه من حوله، والذي لم يكن له فيه حظ أو نصيب، ومثل ذلك يقال في هؤلاء الشعراء الكثيرين الذين جعلوا يتغزلون بالمرأة، ويظهرون هذا الحب، ويصورون العشق اليائس الذي لا أمل فيه.... كل هذا لايصور حباً يائساً بالفعل، وإنّما يصور اليأس العام، اليأس من الوصول إلى ماكان الأغنياء والمترفون يصلون إليه مصبحين وممسين... فهذا النوع من التجديد تجديد المترفين من ناحية وتجديد الفقراء واليائسين من ناحية
أخرى"(1). فالتجديد الذي لحق بالغزل العربي في العصر الأموي، واستقل في قصائد كاملة بعدما كان متعلقاً بالمقدمات الطللية، لم يكن تجديداً اعتباطياً، وإنّما كان بتشكل الوعي الاجتماعي نتيجة التحول الذي حصل في المجتمع الأموي، إذ انفرد الأغنياء بالقصيدة الإباحية ليصوروا فيها ترفهم ولهوهم، وكان الرائد في ذلك "عمر بن أبي ربيعة". أما الفقراء فقد تشكل وعيهم وفق حالتهم البائسة، ووضعهم المزري، فعبروا عن يأسهم وحرمانهم من خلال القصيدة العذرية.
فالمجتمع الأموي كان يتألف -في نظر "طه حسن"- من طبقتين متباينتين "الأغنياء الذين تسقط لهم الثروة، ويتاح لهم الغنى، ويخضع لهم كثير جداً من الرقيق وطبقة الفقراء الذين يرون، ولكنهم لايستمتعون بشيء مما يرونه.. ومن أجل هذا نشأ في الشعر العربي الذي كان يقال في تلك البلاد نوعان مختلفان من التجديد نستطيع أن نسمي أحدهما تجديد الشعراء والأغنياء والمترفين، وأن نسمي الآخر تجديد الشعراء والفقراء واليائسين"(2). وهذا التقسيم الطبقي*(3) للمجتمع تمخضت عنه جمالية شعرية تمثلت في الغزل الإباحي والغزل العذري.
ومن هذا المنطلق قرأ "طه حسين" الظاهرة العذرية في بعدها الاجتماعي من منظور طبقي، فلم تكن هذه الظاهرة إلاّ إفرازاً لصراع طبقي يصور الحرمان واليأس الاجتماعيين في قالب فني يحمل حساً مأساوياً، فالظاهرة العذرية "انعكاس، ولكنه ليس انعكاساً سلبياً، بل هو إسهام في التعرف إلى الواقع... الواقع الذي يبدو أكثر غنى من الحقيقة الواقعة، إنّ الفن لا يقف عند الواقع في معطياته الخارجية المباشرة، إنّما يتخطى هذه المعطيات إلى إدراك جديد لها، فيبدو الواقع في صورة جديدة له: صورته الفنية، وهذه الصورة الفنية أكثر كمالاً من أصلها، لأنّها تلم مابدا مبعثراً من عناصره، وتوضح مابدا غامضاً من مغزاه"(4)، ولكن الانعكاس الذي يقصده "عبد المنعم تليمة" ليس هو المنظور الذي تعامل به "طه حسين" مع الشعر العذري.
فقراءة "طه حسين" تبدي ربطاً واضحاً بين الظاهرة العذرية كظاهرة إبداعية وبين الوسط الاجتماعي الذي ظهرت فيه، وأنّ العامل الاجتماعي والاقتصادي لهما الدور الرائد في تشكل أبعاد العذرية التي أخذت من موضوع الحرمان والياس موضوعاً لها، ومن المرأة رمزاً فنياً للتعبير عن الشرخ الطبقي الذي بدا واضحاً في المجتمع العربي أيام بين أمية.
إنّ المتأمل في قراءة "طه حسين" يلاحظ عليها أنّها تفتقر إلى بعض الانسجام في تأويلها للظاهرة العذرية تأويلاً اجتماعياً. فإنّ الحقائق التاريخية التي نستخلصها من تراجم شعراء هذه الظاهرة تؤكد أنّ هؤلاء الشعراء كانوا في مجملهم من الشخصيات الميسورة مادياً ومالياً في المجتمع الأموي، بل كانوا من طبقة الأشراف والميسورين.
روى أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني في ترجمته لجميل أنّه(5) "لما نذر أهل بثينة دم جميل وأباحهم السلطان قتله، أعذروا إلى أهله.. فمشت مشيخة الحي إلى أبيه. وكان يلقب صباحاً وكان ذا مال وفضل وقدر في أهله- فشكوه إليه وناشدوه اللّه والرحم وسألوه كف ابنه عما يتعرض له، ويفضحهم به في فتاتهم، فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع، ثمّ انصرفوا".
ويروي كذلك في ترجمة للمجنون(6) "أنّ أبا المجنون وأمه ورجال عشيرته اجتمعوا إلى أبي ليلى، فوعظوه، وناشدوه اللّه والرحم، وقالوا له: إن الرجل لهالك.. وإنك لفاجع أباه وأهله، فناشدناك اللّه والرحم أن تفعل ذلك، فو اللّه ماهي أشرف منه، ولا لك مثل مال أبيه، وقد حكّمك في المهر، وإن شئت أن يخلع نفسه إليك من ماله فعل، فأبى، وحلف باللّه وبطلاق أمها أنه لايزوجه إياها أبداً...". وهي روايات تثبت أن شعراء بني عذرة لم يكونوا من الفقراء اليائسين كما يذهب إلى ذلك "طه حسين"، وإنما كانوا من الموفورين مالاً، وأنّ أهلهم من أغنياء العرب، وبذلك فإنّ القول بأن الظاهرة العذرية إفراز لصراع طبقي كان المجتمع الأموي يعيشه، قول يحتاج إلى إعادة نظر؛ لأن الروايات التاريخية التي بين أيدينا تشكك في هذه القراءة التي نفتقر إلى السند التاريخي الذي يدعم تفسيرها.
إن القراءة الاجتماعية ذات التوجه الماركسي لاتنظر إلى المبدعات الكبرى إلاّ في إطارها التاريخي رابطة إياها "بمتطلبات المجتمع المادية، وحكم الضرورة فيه، وكشفها وجه الخطأ في أخذ الظواهر بمعزل عن ظروفها التاريخية، أو أخذها جامدة في عالم متغير"(7). فمن باب تحصيل الحاصل القول بأن القراءة الاجتماعية تعتمد على التاريخ. فلا علم إلاّ التاريخ في نظرها، فهو دليل قوي، ومرجع أساسي في تحليل الواقع الاجتماعي وتراكيبه. إلاّ أن المتأمل في قراءة "طه حسين" الظاهرة العذرية يلفيه يضفي عليها بعداً طبقياً كان المجتمع الأموي مسرحاً له، وأنها إفراز للحرمان والبؤس اللذيْن كانت تعيشه بادية الحجاز. وهو تفسير يحاول أن يبرر للظاهرة تبريراً مادياً، ولكنه يفتقر إلى السند التاريخي- كما سبقت الإشارة إليه من قبل- على أساس أن أعلام العذرية لم يكونوا من المحرومين ولا من البائسين والفقراء، وإنما كانوا من الموفورين حالاً. وبذلك تفقد قراءة "طه حسين" إحدى المقومات الأساسية في تفسيرها الطبقي للظاهرة. على اعتبار أن هذا الصراع في بعده العام عامل ذو فعل شامل ومباشر وحاسم في التحولات الاجتماعية الكبرى على مدار التاريخ الحضاري للإنسانية؛ وبذلك نلاحظ أنّ "طه حسين" انزلق من القراءة الاجتماعية إلى القراءة السياسية. وأن وعيه بقراءة الظاهرة العذرية سياسياً أوفر حظاً من قراءته الاجتماعية وفق المنظور الماركسي، ويبدو لنا أنّ "طه حسين" لم يكن الفكر الماركسي قد تبلور لديه بوعي تام حتى يأخذ منه مرتكزاً معرفياً يقرأ من خلاله العذرية، مثلما نلمس ذلك الوعي عند تلاميذه من أمثال "الشوباشي" أو "عبد المنعم تليمة" أو "لويس عوض" وغيرهم؛ وبذلك نرى أنّ قراءة "طه حسين" لطبقية العذرية هي قراءة أقرب من النظرات الانطباعية منها إلى القراءة المنهجية الواعية.
إنّ الشعر العذري في تصوير "طه حسين" وليد ظروف سياسية تميزت بها الفترة الأموية؛ حيث "نستطيع أن نستنبط أنّ بلاد العرب بعدما تم الفتح للمسلمين، وبعد أن جاهدت في الاحتفاظ بالسلطان السياسي، وأخفقت في الجهاد إخفاقاً شنيعاً، وانتقل مركز الحكم منها إلى الشام، كما انتقل مركز المعارضة منها إلى العراق انصرفت أو كادت تنصرف عن الاشتراك في الحياة العامة، وفرغت للحياة الخاصة، فانكبت على نفسها، وأحست شيئاً من اليأس والحزن غير قليل، فهي كانت مهد الإسلام ومصدر قوته، ومنها انبعثت الجيوش الفاتحة التي أخضعت الأرض وأزالت الدول، وفيها نشأت الخلافة ومنها امتد سلطان الخلافة على الأرض، ثمّ هي ترى نفسها جُردت من كل شيء، فانتقلت عاصمة الخلافة إلى الشام، وانتقل جهاد الأحزاب السياسية إلى العراق، وأساء خلفاء الشام ظنهم ببلاد العرب، فعاملوها معاملة شديدة قاسية، وأخذوها بألوان من الحكم لاتخلو من العنف”(8). فاليأس استشرى في المجتمع الأموي الذي شعر بأنّه قد بدأ يفقد امتيازاته التي كانت تمنحها إياهم الدولة الإسلامية الأولى.
يستمد "طه حسين" من التاريخ الأموي ومعاملته للمجتمع الحجازي مادة لقراءته السياسية. وعليها ارتكز في تفسير الظاهرة العذرية تفسيراً سياسياً وتاريخياً- كما ألمحنا في السابق- على الرغم مما رافق هذه القراءة من المبالغات التي تهدف إلى تصوير التاريخ الأموي تاريخاً كله استبداداً وقهراً. خاصة ونحن نعلم أنّ هذا التاريخ في الكثير من تدويناته قد كتب بيد شيعة وعباسية كانت تكن العداء لبني أمية، ولهذا فهو لايخلو من المبالغة والإضافات التي لاتمت إلى الحقيقة التاريخية بصلة.
ويضيف "طه حسين" إلى قراءته السياسية قراءة ذات بعد ديني، حيث يرى فيه دعماً للقراءة السياسية، ذلك لأنّ العذرية بقدر ماهي إفراز للسياسية الأموية تجاه المجتمع الحجازي، هي إفراز كذلك وراءه تأثير العامل الديني في نفوس الحجازيين، وهو عامل روحي له الدور الأساسي في تشكيل الفضاء الفني للعذرية إذ "كان أهل البادية الحجازية يائسين، ولكنهم كانوا فقراء، فلم يتح لهم اللهو وقد حيل بينهم وبين حياة الجاهلية، وقد تأثروا بالإسلام وبالقرآن خاصة، فنشأ في نفوسهم شيء من التقوى ليس بالحضري الخالص وليس بالبدوي الخالص، ولكن فيه سذاجة بدوية وفيه رقة إسلامية، وانصرف هؤلاء الناس عن حروبهم وأسباب لهوهم الجاهلي، كما انصرفوا عن الحياة العملية في الإسلام إلى أنفسهم فانكبوا عليها، واستخلصوا منها نغمة لاتخلوا من الحزن، ولكنّها نغمة زهد وتصوف"(9).
فالبعد الطبقي والسياسي والديني يشكل أسس قراءة "طه حسين"، وبذلك يعطي للظاهرة العذرية بعداً حضارياً متشعب الدلالات، وهو مايتجلى في قوله "والحق أننا إذا أردنا أن ندرس تلك الظاهرة الفنية وصلتها بالمجتمع والعصر، لاينبغي أن نقف عند تعبيرها الظاهري عن عواطف الحب، فليس من المعقول أن ينشأ هذا العدد الكبير من الشعراء العذريين الذين يتفقون في طبيعة التجربة العاطفية وصور التعبير عنها، دون أن يكون لذلك جذور أعمق مما تراه على سطح تلك الصور والمعاني الشعرية المشتركة. وليس من خير في أن نلتمس في هذا الشعر دلالات ورموزاً تتجاوز التجربة العاطفية.. ولو تدبرنا مانصادف من الصور العاطفية عند هؤلاء الشعراء لأحسسنا أنّها لو انتزعت من -سياقها- يمكن أن تكون تعبيراً ومشاعر أكثر شمولاً، قد نجد فيها تصوراً لموقف عام من الحياة"(10) وبذلك تجتمع العوامل السياسية والاجتماعية والدينية لتشكل الفضاء الكلي للظاهرة العذرية لتعبر عن موقف حضاري شامل.
إنّ قراءة "طه حسين" في تركيزها على البعد الاجتماعي والسياسي وقعت في النظرة التجزيئية للظاهرة، محاولة التعامل مع جوانبها الخاصة ومهملة في الوقت نفسه النص الإبداعي، فاعتمدت فقط على السياقات التاريخية دون الخصائص الفنية للشعر العذري، وهذا ماجعلها تتجنب الإحاطة بالبعد الشمولي للظاهرة العذرية، بوصفها ذات أبعاد متعددة ومتكاملة في إطار شمولي إذ لايمكن الانطلاق من الجزء لإدراك الكل. وهذا ماستحاول أن تتفاداه القراءة البنيوية التكوينية التي تحتكم إلى مبدأ الكلية، والشمولية، بين المسألة الفنية والمسألة الاجتماعية.
إنّ التفسير الطبقي للظاهرة العذرية لم يكن وقفاً على "طه حسين" فقط، وإنما وقف عنده "يوسف اليوسف" كذلك، فاليأس والحرمان والنزعة التدميرية التي تميزت بها العذرية في خضم التحولات الحضارية، كانت نتيجة إحساس العذري بالضياع إذ "أصبح الفرد يناضل كي يبني دولة امبراطورية لايستفيد منها إلاّ السراة، وطالما أنّ الامبراطورية أخذت تعزز التراتب الطبقي وتمارس التغريب على روح الفرد... فقد باتت الامبراطورية شيئاً لايعنيه، لأنّها لم تعد ملكه، بل ملك جلاديه ومستغليه، ولهذا كان لابد من أن ينقص إلى طبيعته الأصلية التي أصبح لها الحق في المطالبة بحاجاتها الأزلية"(11) فالعذرية عند "يوسف اليوسف" ارتداد داخلي للفرد داخل المجتمع الأموي، بعد أن أحس بالتهميش وضياع حقوقه الاجتماعية والسياسية، وبذلك فإنّ هذا الطرح يمزج بين القراءة الاجتماعية والقراءة النفسية للظاهرة العذرية، ومن هنا كان يصعب علينا التصنيف النقدي لتلك القراءات التي درست الشعر العذري، فمن غير اليسير أن نضع قراءة "يوسف اليوسف" في خانة التحليل الاجتماعي الخالص، وهو لايخلو من التركيز على البعد النفسي ضمن رؤية اجتماعية نفسية.
فالعوامل الاجتماعية والسياسية كان لها الدور الرائد في تشكيل الفضاء الشعري للنص العذري، والذي كان تعبيراً عن إحساس الطبقات البائسة بالاحتباس العشقي المادي لدى الفرد الأموي، هذا الاحتباس الذي كان مقبولاً عندما كان الفرد يقبله طواعية من أجل إنشاء المشروع الحضاري في صدر الإسلام، والذي كان يرى فيه جزء منه، يضحي من أجله، لأنه يرى أنّه المثل الذي يتبناه جميع الأفراد، مشكلاً بذلك ائتلافاً اجتماعياً وسياسياً بين الفرد والمجتمع، لأنّ التنازل عن الحاجات الطبيعية يعود بالفائدة النفسية على جميع أعضاء المجتمع. أما وقد انتقل مشروع المجتمع من مشروع يتبناه المجتمع إلى مشروع يكرس الطبقية في جميع مجالاته الاجتماعية والسياسية والمالية، فلم يبق لفرد إلاّ النكوص والانطواء واليأس تعبيراً عن الغبن المادي والمحتوى الذي أفرزه الواقع الطبقي داخل المجتمع الأموي، والذي أصبح مجالاً تستفيد منه طبقة دون الطبقات الأخرى.
إنّ قراءة "يوسف اليوسف" كما يبدو تنطلق من الطبقية السياسية لامن الطبقة المادية، التي أفرزها الواقع السياسي الأموي، والذي كان لها التأثير الكبير في المجال الاجتماعي. فقراءة "يوسف اليوسف" هي بخلاف قراءة "طه حسين" التي تذهب إلى الأصول الطبقية المادية المبنية على الفقر والبؤس الذي كانت تعانيه البادية الحجازية.
إنّ الأساس الطبقي للظاهرة العذرية الذي انطلقت منه القراءتان، ليس له مايبرره على الصعيد المادي المعيشي، المرتبط بالفقر والبؤس والحرمان، أمّا العامل السياسي المبني على الحيف والظلم والتهميش والحرمان السياسي الذي تعرضت له بلاد الحجاز في الفترة الأموية، فله مايبرره في التاريخ الأموي. لذلك كان العامل السياسي أوفر حظاً من العوامل الأخرى التي قدمتها القراءتان السالفة في تفسيرها لنشأة الظاهرة العذرية. فالفرد كما يذهب إلى ذلك "يوسف اليوسف" أحس بالتهميش والإقصاء عن صنع مصيره التاريخي والسياسي والحضاري الذي كان يوفره له المجتمع الإسلامي في عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم.
إنّ الأصول الطبقية للظاهرة العذرية تنطلق من أنّ الأدب مرآة للحياة وأنّ "الأدب يصور حياة الناس، فلا يكون أدباً حتى يصور حياة الناس، وليس في الأرض أدب إلا وهو يصور حياة أصحابه"(12) وهو الأساس النظري الذي انطلق منه "طه حسين" في قراءته للشعر العذري بناءاً على التصور السابق. فمقولة "المبدع ابن بيتئه" أسهمت في توجيه قراءة "طه حسين" توجيهاً اجتماعياً، أفضى به إلى القول بالبعد الطبقي، الذي وقف وراء ظهور الظاهرة العذرية، وقد نبهنا إلى أن "طه حسين" لم يستند في ذلك إلى التفسير الاجتماعي الماركسي وإنما كانت قراءته قراءة انطباعية لاتسنتد إلى أصول معرفية.




del.icio.us
Digg
إضف تعليقك