حوار مع الأديب الكردي دلاور زنكي … حاوره: هوشنك أوسي
نشكر الأديب والباحث الكردي دلاور زنكي الذي خصّ سما كرد بثلاثة كتبٍ له , و ننقلُ هذا الحوار معه عن كتابه ( لقاءات وحوارات ) مع تمنياتنا له بالعطاء الدائم .
بعد أن أودت النار بمساحة شاسعة من مستقبل عامودا، سألت الجهات نفسها. من أين تهبُّ عامودا إلى عامودا حاملة باقة ورد وحفنة ثلج؟
أجابتها الريح من قصائده.
ثم سألت: من أين يفوح العشق الميدي؟
أجابها التراب من كلماته.
هكذا قال الليل الساجد لشرمولا: سبحان القلم الحي القيوم الذي يحمل وطنه على ظهره باحثاً عن حريته.
يسكب دمه زيتاً في قناديل أرادوا لها أن تكون مطفأة- يقرع أجراس أحرفٍ أرادوا لها أن تكون صماء بكماء مخبأة.
هكذا قال لنا صاحب القلم حين سألناه….
*في عامودا هذه المساحة التاريخية الجغرافية الحرة للحرائق والجنون، كيف كان الطفل دلاور؟ وكيف أراد لنفسه أن يكون؟
**بداية أشكر استضافتكم لي على صفحات مجلتكم.
دلاور كأي طفل من أطفال عامودا الذين أبصروا النور بعد فاجعة السينما وفتحوا أعينهم على رائحة البراءة المحترقة الممزوجة بدموع الثكلى وأنين الجرحى وصرخات المفجعين. وبين ذلك الجيش من الأمهات الثكلى اللاتي يبكين فلذات أكبادهن كانت أمي التي فقدت ولديها في الحريق، الأول شهيد والثاني نصف شهيد.
الجزائر استقلت، أما عامودا فلا يكاد تجد بيتاً فيها إلا وقد قدم ثمناً باهظاً لذلك واشترى الحرية لغيره ولنفسه الفاجعة. ربما لخصوصية عامودا التاريخية في علاقتها مع النار ابتداء من حريقها الأول سنة 1937 م، ومروراً بحريق السينما سنة 1960م، وانتهاء بما ينتظرها من حرائق.
والخصوصية الأكثر بروزاً لعاموده تكمن في أنها كانت دوماً قبلةً للوطنيين والمثقفين الكرد. ففيها تأجج وتهذّب الشعور القومي الكردي بتأسيس نادي شباب الكرد كما أنها استضافت جمعية خويبون ومنها كانت انطلاقتها نحو شمال كردستان. فوجود هذه الفعاليات والشخصيات كان من شأنها بعث الشعور القومي وإحياء الثقافة القومية كما ذكرنا سابقاً. وأثناء تقاسمي لطفولتي مع عامودا بدأت بكتابة الشعر وبداية تعلمي للكتابة الكردية كان شعراً.
*في أي عام كان هذا؟
**في سنة 1977م، كتابتي للشعر كان نتيجة تأثري بشخصين الأول: هو الشيخ صدر الدين الحسيني الذي كان مشهوراً بلقبه - شيخ السكاكر- كان من عادته يوزع السكاكر على أطفال الكرد ويسمعهم شعراً خاصة قصائد الشاعر الكبير جكرخوين التي كان قد حفظها عن ظهر قلب. فذلك الشيخ الجليل أيقظ بصوته الرخيم واهتمامه لي الشعور القومي في ذاتي.
أما الثاني: فهي أمي. ففي عام 1977 م، وبعد وفاة أبي أولتني اهتماما كبيراً ولم تقف إطلاقا حجر عثرة أمام تنمية وصقل موهبتي.
فعلى الرغم من إننا كنا نعاني من فقر مدقع كانت أمي تشجعني وتشد من عزيمتي على الكتابة ضاربةً لي أمثلة كثيرة في أن قيمة الإنسان هي في أخلاقه وكفاحه وتواصله الاجتماعي لا بماله ولا بعشيرته.
لقد كانت أمي كأي امرأة كردية أميّة وبعيدة عن العلم والثقافة لكنها مفعمة بالروح القومية خاصة بعد رؤيتها لحريق السينما بأم عينها وفقدانها لولدها فيه وإنقاذها لأطفال كثيرين من شهوة الحريق وجنونه*.
باختصار كانت مسكونة بالتمرد على الواقع وهذا ما يفسر تشجيعها لوليدها الجديد لتصنع منه شيئاً. كانت تلقبني بابن المهموم.
ولاقيت تشجيعاً منقطع النظير من هذين الشخصين فامتشقت القلم وقصيدتي الأولى كانت بعنوان القدر (فلك) وقد كانت رداً على الوضع المتردي والمأساوي الذي كنا نعانيه وهذه القصيدة لم أقدمها للنشر حتى الآن.
*الشعر هذا الهوس الرائع ما قصتك معه؟ بمن تأثرت من الشعراء؟ وما هي المحطات البارزة في تجربتك الشعرية؟
**كما ذكرت سابقاً قراءة الشيخ صدرالدين الحسيني لقصائد جكرخوين كان لها بالغ الأثر علي وهذا ما دفعني الى أن أحفظ معظم قصائده وبواسطة الشيخ صدر الدين التقيت به مرة واحدة في عام 1978. أما التأثير الثاني فقد كان من الأستاذ الشاعر تيريز (Tîrêj) الذي أعتبره بكل فخر معلمي الأول في حقل الشعر لأنه قدم لي يد المساعدة . فقد كان يطلعني على قصائده ويقرأها علي بالإضافة الى أنني كنت أنتشي بسماعها أحياناً مغنّاة بصوته وبصوت بعض الفنانين الكرد كالمرحوم محمد شيخو وسعيد كاباري خاصة الأخير.
لأنها كانت الوسيلة الأكثر انتشارا قياساً مع عملية الطبع والنشر والتوزيع الصعبة جداً والمحفوفة بالمخاطر آنذاك.
زد على ذلك إن الكتب المتوفرة بين أيدينا كانت قليلة جداً كمم وزين لأحمد خاني وديوان الشاعر ملا الجزيري وبعض الدواوين للشاعر جكرخوين فقط.
أما بالنسبة للمحطات البارزة في تجربتي الشعرية هي:
قصيدتي الأولى التي كانت بعنوان القدر (فلك) أتت ترجمة لمعاناتي وهمومي التي أكابدها والظلم والاضطهاد الذي يعانيه شعبي. ففي تلك القصيدة كنت أرى الدنيا من حولي سوداء قاتمة لا طعم لها ولا رائحة كسجن واسع مفتوح.
فالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتردية من جهة وعدم وجود من يهتم بالأجيال القادمة ومستقبلها المجهول من جهة أخرى خلقت لدي هذه النظرة السوداوية ربما هذا هو السبب الذي منعني من عدم نشر هذه القصيدة حتى الآن. التي أعتبرها المحطة الأولى لي في عالم الأدب.
لقد كان فهمي آنذاك وما يزال للقصيدة إنها زائرة فاتنة تأتينا دون موعد مسبق لتحرضنا على كتابة كل ما يختلج في أعماقنا وما يجول خاطرنا بعفوية مطلقة لا رقيب عليها.
تلك المرحلة وذلك الفهم خلقا لدي هاجس التطوير والتحديث فيما أكتبه خاصة بعد إطلاعي على مجلة (هاوار) التي وصلني بعض أعدادها عن طريق صديق الطفولة (أحمد شهاب أبو محمد- من عاموده) اكتشفت إن الأدب ليس فقط ما أكتبه من قصائد وتشكلت لدي قناعة مفادها إن مجلة (هاوار) هي حديقة غنّاء الى درجة اعتبرتها قرأنا أعود الى قراءة أعدادها لأنهل منها الجديد فكرياً ولغوياً وأدبياً وما يستعصي علي أحاول فهمه من المثقفين الذين يكبرونني سناً وعلماً. وبعد سنة 1980 وإقامتي في دمشق تعرفت على الأديب الكبير والباحث اللغوي عثمان صبري الذي فتح عيني على عوالم كنت أجهلها على صعيد اللغة والكتابة شعراً ونثراً وحينها تشكلت لدي معرفة ودراية لابأس بها للقصيدة الحرة واللغة وهذا ما أعتبره المحطة الأكثر بروزاً في تجربتي الشعرية وبل الأدبية ككل أيضاً.
*دلاور الشاعر بحكم معاصرته لجيلين من الشعراء التقليديين والحداثويين إن صح التعبير. أين يجد نفسه؟ ولماذا؟.
**قبل أن أجيب عن سؤالك أحب أن أذكر ماهية فهمي للقصيدة فالقصيدة ليست أسيرة لحظة جامدة معينة وليست نظرة أكاديمية للحياة بل هي حركة حية عذبة معسولة في نبض اللغات واللهجات وبالتالي فهي الحياة الأزلية بحد ذاتها لأنها تلعب دوراً محورياً مهماً في صيرورة تطور وتجدد الفكر والعقائد واللغات والفنون في أي مجتمع كان. إذاً فالقصيدة بحر من العشق لاقاع له ولاشطآن ودائمة الولادة والتجدد دون توقف أو نضوب ولها بالغ الأثر في عمق والفكر الإنساني.
فربما تترك لدي أثراً عميقاً بعدة أسطر مكثفة وحرة وتعجز عن ذلك بقصيدة عصماء مقفاة ذات تقطيع وأوزان. فأنا لا أجد القصيدة الكلاسيكية أن تنغلق على نفسها في إطار الوزن والقافية لأنني مع القصيدة التي تهزني من الأعماق وتجعلني ثملاً نشواناً مهما كان شكلها وفلتكن تقليدية من حيث الشكل ولكن المضمون يجب أن يكون جديداً وعصرياً وغنياً بالصور المبتكرة والشفافية وأن تتوخى الانجرار نحو التكرار في اجترار التراث ونتاج الشعراء الذين سبقونا. وأي شيء من هذا القبيل ليس بقصيدة كلاسيكية بل استنساخ مشوه عنها. لأن الأسلوب الكلاسيكي في نظم الشعر كان مدرسة مستقلة وحداثوية في يوم من الأيام.
ولا أرى الحداثة في الشعر أن تتحرر القصيدة من الوزن والقافية فحسب ويبقى المضمون أجوف لا جديد فيه من ناحية اللغة الشعرية والصورة والفكرة وبعيداً عن البيئة والفولكلور وليست لها أي علاقة تربطها بالمجتمع والفلسفة الكردية فالقصيدة الحرة تتميز بأن لها أجنحة ملونة وتحلق في آفاق الروح والفكر إن كنت تملك مفاتيحها وتجيد التحليق بأسلوب جديد لم يسبقك إليه أحد وبرؤية وأحساس خاصين بك. وبصراحة ومع الأسف الشديد السائد حالياً من نتاجات شبابنا تحت عناوين عدة القصيدة الحرة والحداثة وما بعد الحداثة في الشعر بعيدة كل البعد عن روح التجديد والتحديث. باختصار أستطيع أن أسميها الشعر المترجم وليس بأمانة! لماذا؟ لأنهم ينهلون من ثقافة الأمم المضطهدة لهم ويكتبون شعراً أي يفكرون بالعربية ويكتبون بالكردية وهذه الظاهرة موجودة بين أكراد شمال وشرق وغرب كردستان أيضاً باستثناء بعض التجارب الجادة. فالقصيدة مهما تحررت ينبغي لها أن لا تتحرر من بيئتها وتراثها وتاريخها وروحها بل أن يكون ذلك طريقاً للوصول الى العالمية كقصائد لوركا ونيرودا ….. الخ.
*إبتداءاً بالشعر ومروراً بالبحث اللغوي والصحافة وانتهاء بالقصة والترجمة والبحث التاريخي والتراجم يمتد دلاور زنكي. ما رأيك بالتخصص ضمن حقل معين؟ وما هو ردك على الذين يقولون إن المبدع لا يستطيع حمل عشر بطيخات بيد واحدة؟
**كل شعب له خصوصيته يتميز بها عن غيره والشعب الكردي الموزع على جغرافيته المقسمة وبالتالي ثقافته مقسمة. زد على ذلك الظلم والاضطهاد اللذين يتعرض لهما وسياسات الصهر والتذويب والتنكيل التي تمارس بحقه التي شوهت سايكلوجيته وتاريخه وثقافته ووجوده. بالنسبة لنا الوضع حساس جداً قبل أي شيء يجب علينا أولاً أن نتصدى لهذه السياسات الظالمة التي تمارس بحق ثقافتنا ولغتنا وحضارتنا، وحسب اعتقادي أن الأمم وخاصة منها الهند-أوروبية قد مرّت بمراحل ثلاث. المرحلة الشفهية ثم الكتابية ثم المرئية. ونحن الآن في مرحلة التدوين أي كتابة تاريخنا وحاضرنا أدباً شعراً ونثراً. لذلك فأرضنا خصبة لكنها بور ولم تحرث ولم تزرع ورداً وشجراً فإذا ألقيت فيها أي بزرة سوف تنمو وتثمر وبالتالي ستحصد ما زرعته. والأدباء والكتاب الكرد لم يمروا بمرحلة التخصص لأن واقع حياة الشعب الكردي متألم ولم يجد الراحة والاستقرار بعد. فعدم وجود كيان تؤمن مؤسسات وهيئات مختصة تجمع تحت سقفها الأدباء والكتاب كل حسب إمكانياته ومجاله هو العامل الحاسم في عدم أو قلة المتخصصين الأكاديميين بيننا. وبناءً على ذلك أعتقد أن المطلوب بل الواجب المترتب على الكاتب والمثقف أن يكتب في أي حقل إذا كانت لديه الرغبة والإمكانية أو يمتلك الحد المقبول الذي يؤهله للكتابة ضمن هذا الحقل أو ذاك. فليس بالضرورة أن يكتب الشاعر شعراً فقط لأن في داخل كل شاعر يوجد قاص أو ناقد أو روائي صغير، فيجب أن يطلق العنان له كي ينمو ويكبر. فبداياتي مع الشعر كانت عفوية والكردي شاعر بالفطرة لكن لماذا أكتب ؟ وكيف أكتب؟ لم أكن أعرف!!!
هل ما أكتبه هو شعر أم لا؟! لم أكن أجرأ على قراءة قصائدي لمعلمي الشاعر جكرخوين وتيريز لكن كان هناك ثمة شيء ما يدفعني للكتابة، والمرحلة الثانية هي كتابة النثر والقصيدة الحرة بعد معرفتي بالمعلم الكبير والمناضل العظيم عثمان صبري الذي دفعني وشجعني كثيراً على ذلك وكان يقول لي: لا نستطيع تدوين تاريخنا شعراً، صحيح أنه العمود الفقري للأدب لكن بالنثر يمكن ان ندون التاريخ ونكتب القصة والرواية… والخ. وهو أسلوب آخر في فنون الكتابة. كما تعلم ليس لدينا مدارس أو معاهد أو جامعات نتعلم ونعلم فيها لغتنا الأم فكل ما نقوم به من كتابة هي جهود ذاتية معتمدة على التراث الشفهي والفطرة.
وعندما بدأت بكتابة النثر واجهتني عقبة كأداء تقول لي: يجب أن تتعلم اللغة الكردية على أصولها وقواعدها بالإضافة الى إغناء مخزونك اللغوي من المفردات بالإطلاع على القواميس والمراجع التاريخية والثقافية وضرورة وجود أرضية ثقافية غنية تؤهلني لخوض غمار النثر السهل الصعب. ثم بدأت بكتابة المقالة والقصة وجمعت الفولكلور….الخ، حينها لم يكن بين يدي دليل عمل سوى مجلة هاوار ومرشدي العم عثمان صبري وخاصة كتابه (درديه مه) و (باهوز) و(ألفباء الكردي). بالفعل كان هاجسي وهدفي الأول والأخير هو خدمة شعبي بإغناء ونشر ثقافته. وبافتخار أستطيع القول بأني من الأوائل الذين ساهموا وقاموا بإعداد المجلات والصحف الكردية في سوريا بعد 1980م من حيث الشكل والمضمون والإخراج والنشر والطبع والتوزيع وكتبت فيها تحت أكثر من أسم مستعار ترويجاً وتشجيعاً للنثر الكردي. ويمكن أن أعتبر هذه المرحلة بداية مرحلة جديدة في تاريخ الأدب الكردي. كانت لدينا آنذاك بعض المجلات الحزبية لكن مع الأسف الشديد متخلفة وبدائية شكلاً ومضموناً، وكان توزيعها مقتصراً بين الأوساط الحزبية الضيقة بدلاً من أن تستقطب الشارع برمته وعندما كنت أجري مقارنة بينها وبين مجلة هاوار الصادرة سنة 1932 م في دمشق كنت أجد هوّة سحيقة بينها ولم تحقق تلك المجلات ولو(1%) من هدفها. فكيف لا نفتخر بمجلتي هاوار وروناهي التي كان يصدرهما الأمير العلامة جلادت بدرخان أمير اللغة الكردية.
وبالإضافة الى الفنون النثرية اتجهت نحو القواعد والصرف في اللغة لعدم وجود كتاب قواعد اللغة الكردية بين أيدي اكثر الكتاب إن لم نقل جميعهم الذين كانوا يكتبون النثر سماعياً ولم يعرفوا عن القواعد شيئاً، وعندما قمت بطباعة ونشر قواعد اللغة الكردية للأمير جلادت بدرخان كان بعض اشباه المثقفين والكتاب لا يعرفون من هو الأمير جلادت ويقولون عني: أني حولت فرنسياً الى كردي أو من أين أتيت بهذا الكردي!! طبعاً بأستثناء الرعيل الأول من أدبائنا الذين كانوا يعرفونه عن كثب أو سمعوا عنه الكثير.
أما على صعيد القصيدة (الحرة) فكنت أراها مترجمة وتعيش في غيبوبة وارتياب وغير واضحة المعالم والشخصية. وصلتني بعض الدواوين للشعراء من جنوب كردستان أمثال الشاعر عبدالرحمن مزوري ونقلت كتابتها للحروف اللاتينية ونشرتها. وثم قمت بزيارة جنوب كردستان سنة 1991 م أي بعض الانتفاضة وهناك طلبت من الكتاب والأدباء الكرد ان يكتبوا بالأحرف اللاتينية بدلاً من الأحرف العربية ووزعت ديوان الشعر للشاعر مزوري ( من عشق القناديل القديمة) و(عذبة لي ومرة للناس) هناك بالحروف اللاتينية، وكان العمل مشجعاً للجميع، وأتيت ببعض الدواوين للشعراء أمثال الشاعر نجيب بالايي وسعيد ديرشي وهزرفان ومؤيد طيب ومحسن قوجاني وآخرين ونقلت كتابتها للحروف اللاتينية وطبعتها ونشرتها وكانت الغاية من ذلك أن يتأثر شعراءنا الشباب بهم بدلاً من الآخرين وأن يشربوا من مناهل الأدب الكردي ان كان من الشرق أو الشمال اوالجنوب.
إذاً فالمبدع حسب اعتقادي بإمكانه أن يكتب في أكثر من حقل وسأعطيك أمثلة عدة من الكرد وغيرهم كسليم بركات فقد كتب الشعر والمقالة والرواية، ومن قبله الأمير جلادت بدرخان والدكتوركاميران بدرخان وقدري جان وعثمان صبري وهزار وحسن هشيار وجكرخوين…. ومثلهم جبران خليل جبران....
وناظم حكمت... ولوركا.... وغوتيه.. وغيرهم كثيرون.
*في زمن العولمة وتحدياتها كيف نقرأ المشهد الثقافي الكردي عموماً وفي سوريا خصوصاً؟
** العولمة في مفهومها العام هي اتجاه عام متنام يدفع بالعالم الى دائرة واحدة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية تتلاشى في إطارها الحدود وقدرة الدولة في التأثير على المسرح العالمي (بذاتها)، ومن إفرازات العولمة من منظور السياسي قد تكون إحلال مؤسسات عالمية تتولى ادارة دفة العالم في المستقبل البعيد، ويشير مفهوم العولمة من منظور الإعلامي بأن البناء الثقافي للإنسانية يتكامل مع البناء المعلوماتي وان أهداف أعلام العولمة هي ذات طبيعة مزدوجة سياسية-اقتصادية وترمي في جوهرها الى ترسيخ ثقافة جديدة (ثقافة العولمة) وتخطي القيود الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية للشعوب، ولم تعد العولمة موضع اختيار أو رفض فهو تطور تاريخي موضوعي ولكن هذا لايعني القبول المطلق لكل سلبياتها واتجاهاتها. ولكن رغم الإقرار بصعوبة التحصين ضد كل التوجهات السلبية لاعلام العولمة لما تملكها من نفوذ وسطوة وبالتالي عدم القدرة على تهميش دورها وتأثيرها على الخصوصية الثقافية لمجتمعات ومنها مجتمعنا الكردستاني، فإن ذلك لا يعني تهميش دور التفاعل بين الحضارات، وترسيخ قيم مشتركة أو التخلي عن الخصوصية الثقافية والقومية الكردية.
وإذا كان الإعلام حتى الماضي القريب رغم تطور وسائله وتقنياته محدوداً لنا ولغيرنا من الشعوب المضطهدة فإن إعلام العولمة أدت الى صيرورة الفضاء اللا محدود الى وطن جديد لاعلام العولمة. علينا مواكبة العصر وإيجاد مكان صغير لنا في هذه الثورة الهائلة للعلوم والتكنولوجيا التي أفرزتها العولمة والاستفادة منها قدر المستطاع. لكن يجب أن نفصل بين الوضع في كردستان الجنوبية وغيرها وبتعبير أدق هنا وهناك لا يسيران في خطين بيانيين متوازيين، ولكل جزء خصوصيته وظروفه الموضوعية والذاتية، فالمثقفون الموجودون في الخارج استفادوا من العولمة أكثر منا جميعاً. قبل كل شيء نحن بحاجة الى حرية فعندما تتوفر الحرية سيكون الفعل الإبداعي والثقافة الكردية بألف خير. كل النوافذ والأبواب أمامنا مسدودة فلا الأكراد ولا غيرهم بأستطاعتهم اداء دورهم كما ينبغي لأن الحرية والديمقراطية هي أوكسجين الثقافة والحياة. والدول الغاصبة لكردستان تحاول تحصين نفسها من خلال قرارات انضباطية أو عقابية سواء بمنع امتلاك وانتشار الأطباق أو فرض قيود على تراخيص استخدامها.إلا ان تلك الإجراءات أثبتت كونها عقيمة إذ سيشهد العالم بعد فترة وجيزة مشاريع تنافسية تؤدي الى تطويق الكرة الأرضية بكوكبة من الأقمار الصناعية المتطورة.
العولمة، يجب أن تكون حوار الحضارات ومواكبة العصر بكل أشكالها وألوانها لخدمة البشرية. إن كانت الغاية من العولمة صراع الحضارات وهيمنة الدول الكبرى من الناحية السياسية والاقتصادية والثقافية فان الشعوب الصغيرة ستفقد هويتها الثقافية والقومية.
*الثقافة كصناعة للحضارة أين نحن من هذه الصناعة؟ هل ثمة إشكاليات تواجهنا؟ وما هي سبل حلها؟ وما دور المثقف في بلورة الحل؟
** إن الحضارة بمظاهرها المتعددة، من فلسفة وفنون وآداب وعلوم، يبدعها الفلاسفة والفنانون والأدباء والعلماء. وفي كلمة واحدة يبدعها الأفراد في كل ميدان من تلك الميادين. ولا شك في أن ظهور الفكر الجديد والمنهج الجديد هو نقطة البدء لأي حضارة ناشئة أيا كانت. وانظر في حضارات العالم كافة قديمها وحديثها، فستجد أنها قامت أول ما قامت على فكر جديد ومنهج جديد، قدمه مفكروها، وكان أن ساد هذا الفكر وذلك المنهج، فأصبح هادياً للعلماء والأدباء والفنانين، ثم صار حياة يحياها المثقفون أولاً، فالرجل العادي ثانياً.
وربما يكون من المناسب ان نعرف الثقافة لتوضيح الأمر اكثر، فإن الثقافة هي جميع المعتقدات والأفكار التي يتوصل إليها الفرد نتيجة اطلاعا ته المختلفة حول طبائع الأمور، سواء كانت طبيعية أو سياسية أو أخلاقية أو دينية. فالمثقف يتلقى نتائج فكر عصره ويفهمه، وإذا نجح المثقف في أن يزيد وعي معاصريه، من خلال نقل هذا الفكر إليهم، يكون قد أدى دوره كاملا.
فأين نحن من هذا العرض أو التعريف؟! وإذا ما أدركنا ذلك الفرق فكيف لنا أن نشخص الواقع وإشكالياته وسبل حلها ودور المثقف في بلورة الحل!! فعن أي ثقافة وأي حضارة وأي مثقف تتكلم!!؟. أن الحضارة إذا ما وصلت المدى النهائي في إبداعاتها، وتحولت الى مدنيّة كان في هذا بداية انحلالها، لأن التركيز في تلك المرحلة المدنية يكون على الجانب المادي النفعي وهو ليس مسؤولية المفكرين والمبدعين، بل هو مسؤولية رجال التخطيط والتنفيذ.
سأتكلم عن الوضع الذي نعيشه بكل جوارحه وآلامه حسب تجربتي الشخصية لهذا الواقع المشوه. هناك إشكاليات موضوعية أتينا على ذكرها سابقاً أما الإشكاليات الذاتية الخاضعة لإرادة المثقف تكمن في عدم قيامه بواجبه وتأخذ منحاً عداءياً بينهم.
اهم اشكاليت هي العلاقة بين المثقفين ذاتهم، الصراع والتنافس اللاشرعي والتناحر الغير مبرر. وهذه الصفة مكتسبة من الواقع الذي نعيش فيه. وخاصة من تعامل بعض الأحزاب - حسب اعتقادي- لما تلعبه من دور سلبي في تشحين الأجواء وترويض الأقلام، وبالتالي تقويض وتحجيم وبل تقزيم دور المثقف ومسخه. وأنا واثق تماماً أن بعض أحزابنا الكردية في سوريا لم تقم بما يقع على عاتقها وتنفذ ما ينص عليه برامجها تجاه المثقف والحركة الثقافية. بالإضافة الى مواقفها المتشنجة أمام الحركة الثقافية فأنها تحارب أية تجربة مستقلة خارج دائرتها. فما قمت به من نشاط في طبع ونشر حوالي 13 كتاباً لي وشاركت في طبع ونشر أكثر من 95كتاباً في مجال الثقافة والأدب والتاريخ والفولكلور ولم أتلق أية مساعدة من أي حزب كردي. وحاولنا أكثر من مرة تشكيل هيئة أو رابطة تفعّل العمل المؤسساتي في الحركة الثقافية وما كنا نتوقعه من السلطة قامت به بالنيابة عنها بعض أحزابنا الموقرة من تشهير بحقنا واتهامنا بالفوقية والأنانية والانتهازية وغير ذلك من التهم. وهذه التهم لا أساس لها من الصحة وهروب الى الأمام لتبرر مواقفها السلبية. وأسألهم من هنا: هل قمتم في يوم ما بنشر مقالة أو أي رأي حر ينتقدكم في جرائدكم ومجلاتكم الموقرة؟ وأنتم من تنادون بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير!!. وبصراحة هناك خطوة في الاتجاه الصحيح على طريق استيعاب الرأي والرأي الآخر هي تجربة زميلتكم مجلة الحوار فقد لاحظت فيها نفساً ديمقراطياً ومساحة مقبولة للرأي الآخر.
أما بالنسبة لدور المثقف في حل هذه الإشكاليات في عدم وجود منابر حرة وسيطرة الذهنية الحزبية الضيقة عليها فكيف له أن يتحرك ويفكر ويكتب بحرية في بيئةٍ الغائب الأبرز فيها هي الحرية ذاتياً وموضوعيا ً. والأخطر من هذا وذاك هو من لا يفكر مثلي فهو عدوي، ومن ينتقدني فهو خصمي . وغياب أو عدم وجود مؤسسات ونوادي ومنتديات ثقافية وأدبية وفنية كردية تقوم بدورها التاريخي ضمن المجتمع تخلق وتكرس ظاهرة عدم الثقة بين المثقفين واللامبالاة وروح الفردية، وعدم وجود ذهنية التعاون والتضامن يقتل الإبداع ذاته.
*نفهم من حديثكم إن إيجاد الحلول صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً ودور المثقف أصعب من كل ذلك؟!!.
** نعم… بالفعل نحن نواجه أزمة ثقافة وأزمة مثقف وأزمة قارئ في غياب العمل المؤسساتي. لكن لا مستحيل إذا كانت لدينا القدرة على تفهم الواقع، واحترام رأي الآخر، والإرادة والرغبة في الخروج من هذه المآزق والأزمات والخطوة الأولى في سبيل الحل هي إقامة مؤسسة خاصة مستقلة تجمع الكتاب والمثقفين الكرد تحت لواء الثقافة القومية بعيداً عن الولاءات الحزبية العمياء ومن واجب الأحزاب ان تلعب دوراً داعماً لها دون التدخل في شؤونها وفرض الوصاية عليها، حينئذ سيتوقف مثقفونا مليّاً عند حقيقة المثقف ودوره في حركة التاريخ والمجتمع وعلى من هم الحزبيون-السياسيون ودورهم في ان يكونوا أداة في خدمة الثقافة لا العكس وبعدها سيتم الفرز الحقيقي بين الشاعر والصحافي والناقد والكاتب والمفكر والمبدع والمثقف …. الخ. وبتعبير أدق ندخل مرحلة التخصص من أوسع أبوابها.
وريثما يتحقق هذا الحلم الجميل فأني أعطي للكاتب الحق الكامل بالكتابة في أكثر من حقل ما دام يجد في نفسه القدرة على ذلك والإبداع فيه.
* لها مقابلة في جريدة المصور المصرية وهي تتحدث عن حريق السينما وإنقاذها سبعة أطفال من بين السنة النار الملتهبة، ولها صورة مع ابنها محمد اسماعيل وهو على السرير يعالج في مشفى مدينة القامشلي في كتاب (Agirê Sînema Amûdê )، للمؤلف الشاعر ملا أحمد نامي، وجريدة المصور المصرية.




del.icio.us
Digg
إضف تعليقك