الرئيسية | قصص قصيرة | العلاج بالكلمات...قصة قصيرة بقلم: مصطف ع محمد

العلاج بالكلمات...قصة قصيرة بقلم: مصطف ع محمد

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

"يدك باردة".....بهذا التساؤل المُموّه وأنا أجلس القرفصاء كسرت سكون تأملي إياه.
طفلٌ لم يبلغ العاشرة بعد، متكومٌ في نفسه، كسلحفاة خائفة...(وإن كان حظ السلحفاة أفضل لأنها على الأقل تجد من هيكلها ركناً آمناً تحتمي فيه....) الساعة تتجاوزُ الحادية عشرة مساءً، والمطر بهدوء جميل ينهال في صلب هذا الشتاء البارد، وطفلٌ (ي) على ما يبدو قد خانه المكان وحتى الزمان

فرمى بنفسه على هذا الرصيف الملاصق لفخامة الـ (4 سيزنس) وكأنه باختياره لافتراش هذا الرصيف يرغب في أن تكون أحلامه على الأقل أكثر جمالاً....
تأملته طويلاً، مريراً، أليماً، ويأكلني تساؤلُ: ترى أليس لهذا الطفل أب؟ أليس له أم؟ طيب أين أعمامه، أخواله...أمعقولٌ أن يكون من الشجرة مقطوعاً! أليس من بسيط حقه أن يكون الساعة في غرفته وأن تغطيه أمٌ ببطانية دافئة، مُقبّلة وجنته بجملة: " تصبح ع خير ماما....غداً مدرستك تبدأ وفروضك المدرسية يجب أن تحضرها"
أليست هذه الكتلة المتكورة تتحضر لأن تنسلخ مشروع مجرم مُنتج إن تركناها هكذا واكتفينا بمراقبتها، أو التصدق عليها، أو حتى شتمها...
ما ذنب هذا الطفل الشريد الذي تخلى عنه العالم، فبلعه الرصيف، ليفرزه لاحقاً أبناً له...
أليس هذا الملاك البريء الراقد أمامي، جريمة حية مؤجلة نتشارك كلنا ببهاء في رسم تفاصيل أحداثها؟
جريمة صامتة ساكنة، تخرسها جعجعة المحيط المكتفي بالنظر، أو المواساة بعبارة ووخزة ضمير.....
كسرت أطواق التأمل مرة أخرى بسؤاله: ألست جائعاً؟ ألا تُحس بالبرد؟
فرد بكل طفولة:" هااا؟ ما بعرف...شو بدك؟"
نعم، أكيدٌ إنه لن يعرف الإجابة عن سؤالي الصعب هذا، نعم فهو منذ أن بدء يدرك ولو جزءً من ذاته، وهو لا يعرف غير الجوع والبرد والتشرد، فكيف له إذاً أن يتفهم سؤالي؟... وهو لا يعرف ما هو عكسْ وضعه، فقمة طموحه أن يجد رصيفاً يكون بحجم انكسارات نفسه.... فمعدته الصغيرة قد تخدرت تماماً حتى باتت تأكل نفسها بنفسها...وخلايا الحس عنده قد تقرنت مع أمواج البرد اللافحة......
للأسف يا سادة، ضاع علينا أن نتحرك في طلب إنقاذ هكذا حالات ونحن نراها في كل نزهة خروج لنا...
المسألة بسيطة جداً، واضحة جداً، ولا تحتاج إلى كل هذا التعقيد الذي نسوِّر حلولنا العلاجية به، لا نحتاج إلى هيئات أو منظمات تحمي هذا الطفل، لا نحتاج إلى عريضة موقعة من (س) مليون من الناس، لا نحتاج إلى منتديات ومواقع الكترونية مُدافعة، لا نحتاج إلى كل ذلك التعقيد، بقدر ما نحتاج إلى رغبة صحيحة، إلى ضمير حيٍ يهبُ إلى حمل هذا الطفل، وحمل كل إخوانه معه، من هذه الأزقة وإعادتهم إلى حيث يجب أن يكونوا... لا يوجد في مجتمعاتنا فكرة الولد اللقيط، ولكن تنتشر فكرة استغلال الأطفال، من قبل أهل يحتاجون إلى ردع، من قبل فئة تستغل الفقر المدقع، فتغوص إهمالاً ونهباً وتبجحاً في التعامل، وفي اقتناص العمالة الخسة.
للأسف قد تعودنا نظرية "إهمال المركز" فكثيراً ما تثيرنا مسألة أو مشكلة ما، فتبدأ أقلامنا بالحراك والشجب والتحليل...حتى نتوه عن صميم المشكلة بحد ذاتها فنتجاوزها وتكبر من خلالها شعاراتنا، فننسى المركز، الأساس ويضيع "الحابل بالنابل" أما الضحية فإنها تظل كما هي، فيما هول مأساتها في مكان آخر نراه متفاقماً... إنها وسيلة إذاً لنُكوِّن من خلالها نظرياتنا ونلفق من خلالها ما نراه يصب في مصالحنا الشخصية ليس أكثر...

الحل إذاً أين يكون؟ دعونا نكتب أنا وكلكم ألف مقالة تصور بمختلف الأشكال مأساة وبؤس طفلي هذا....ما الفائدة إذا كان سيبقى كما هو لا يجد سريراً دافئاً، ورغيفاً من الخبز، بل سيظل كما أسلف الراحل العظيم محمود درويش، سيظل ينظر إلى القمر ويصوره رغيف خبز.... ما الفائدة إن كانت مقالاتنا تلك ستُذرف دموع الحساسات والحساسين من المرهفين، ما الفائدة إن حرضت مقالاتنا الآراء وأقيمت حولها الندوات...وتشكلت هيئات ولجان ووزارات... ما الفائدة إن ظل طفلي كما هو جائعاً......
إنه الحل بالكلمات إذا، وكلنا يعلم أن الكلمة تموت بمجرد أن ننتهي من قراءتها...... انتهى زمن الكلمة الصادقة التي يتجاوز أثرها الرصاصة الفاتكة( كما دائماً يقول أستاذي العزيز حسين محمد علي )... نحتاج إلى أن نعود إلى الحقيقة نفسها إن كلاً منا مسؤول عن بناء أركان هذه الجريمة المؤجلة....التي تتكون وتنمو تفاصيلها يوماً بعد يوم...
استقمت من قرفصائي والنمول شلّ قدمي، وهو ينظرني من طرف عينه....وكأنه يواسيني، ورميته بجملة:
غداً سأكتب مقالة عنك..... وسأنشرها في عدة مواقع.........
ابتسم بحزن وأغمض عينيه ساخراً وكأنه يرد: اكتب شو ما بدك... انا شو دخلني‼‼!
سأكتفي هنا، فلم يعد يمكن أن أتابع، وساترك الفراغ التالي عله يعبر أكثر مما قد يصوره قلمي.....!


komahestiyan@yahoo.com

إضافة إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

Subscribe to comments feed التعليقات (0 تعليق):

إضف تعليقك comment

الرجاء إدخال الكود الموجود في الصورة:

  • email إرسال إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية (للجوال)
قيم هذا الخبر
0
Powered by Vivvo CMS v4.1.6