الشاعر الكبير تيريز Tîrêj و"طرائف كردية" جزء الثاني
دلاور زنكي:
مما لا ريب فيه أن الشاعر "تيريز" هو من أبرز الفرسان في مضمار الشعر الكردي المقفى الموزون "المنظوم".
لقد استطاع هذا الشاعر الكبير بفضل يراعه الذهبي، وعاطفته الجياشة وعشقه العظيم لوطنه أن يرسم لوحات زاهية فتانة عن جبالها الشامخة، ومروجها الخضراء، ورياضها الغناء ويصف سلسبيل مياه جداولها وأنهار وغدرانها ويتغنى بأسماء شخصيات العشق والجمال والحب العذري مثل "ستي و زين".
والشاعر "تيريز" له باع طويل في ميدان النثر.. ولما كان مولعاً بماضي الأسلاف، شغوفاً بالإرث الشعبي الذي ما أتيحت له الفرص ليدوّن في بطون الاسفار وظل ينتقل على الشفاه من جيل إلى جيل فقد استثمر كتابته النثرية للحفاظ عليه وصونه عن الضياع. وجمع من ذلك قصصاً وطرائف كثيرة وضعهما في كتابين منفصلين تحت عنوان "سربيهاتيين كردان= serpêhatiyên Kurdan" وإذ كان الشاعر مدركاً لأهمية هذا اللون الأدبي الشعبي فقد أولاه اهتماماً جاداً كبيراً.
وإننا لنستطيع القول بأن الأدبيات الشعبية هي ينبوع ثرٌ من لبن الأم التي أرضعته أولادها الشعراء والكتاب والمؤرخين فامتزج هذا اللبن بفكرهم وعقولهم ومشاعرهم.
في عام 1992م نشر الشاعر "تيريز" كتاباً بعنوان "سربيهاتيين كردان= serpêhatiyên Kurdan" وهو الجزء الأول وكان هذا الجزء من الكتاب يضم بين دفتيه (45) خمساً وأربعين طرفة أو حادثة.
بعد رحيل الشاعر –تغمده الله برحمته- وصلني من أهل بيته مخطوطان... كان المخطوط الأول عبارة عن كتابٍ يضم قصة المولد النبوي الشريف الذي نظمه شعراً... وكان المخطوط الثاني القسم الثاني أو الجزء الثاني من الكتاب السابق الآنف الذكر يضم بين دفتيه (31) واحداً وثلاثين طرفة... وكان هذان المخطوطان مكتوبين بالحروف العربية فاستبدلتهما بالحروف اللاتينية وكتبت لكل منهما مقدمة للتعريف بهما. وقمت بترجمة كتابه "طرائف كردية"- جزء الثاني من اللغة الكردية إلى اللغة العربية.
ولا نشك في أننا بعملنا هذا أنقذنا كتابين نفيسين من أعمال الشاعر "تيريز" وأثرينا بهما مكتبتنا أيّما إثراء.
سيرة الشاعر والكاتب "تيريز" Tîrêj:
ولد الشاعر "تيريز" عام 1923م في قرية "نجم" القريبة من مدينة القامشلي في محافظة الحسكة. اسمه الحقيقي: نايف بن حسو، فلما بلغ من العمر ستة أعوام رحل والده مع أفراد أسرته الى قرية "سيمتك" التابعة لعاموده واستتب به المقام فيها. وفي "سيمتك" تعلم قراءة القرآن على يد "ملا ابراهيم كولي" وبعض الكتب في علوم الدين والشريعة الاسلامية. وهكذا بدأ يتعلم القراءة والكتابة على غرار معظم الشعراء الأكراد الذين كانوا يتلقون المعرفة في المدارس الأهلية المعروفة "حجرة".
في عام 1937م تابع دراسته الابتدائية في احدى المدارس الرسمية الخاضعة لدائرة المعارف أو وزارة المعارف آنذاك، مثابراً على ذلك خمسة أعوام ثم انقطع عن التحصيل العلمي بسبب الفاقة. ولكنه لم ينقطع عن جو المثقفين والعلماء والشعراء الكبار مثل "جكرخوين" و "قدري جان" و "حسن هشيار" و "نورالدين ظاظا" وبمخالطتهم ازدادت معارفه وصقلت قريحته وتفتق ذهنه وتأهّل ليكون شاعراً فيما بعد، فقد أغرم بالشعر وتمكن من قلبه عشق القريض. ومع هؤلاء وجد لنفسه موئلاً ومكاناً في جمعية "خويبون" فقد كان وفياً ومخلصاً لوطنه، محباً لبني قومه، وكان الى جانب ما ينظم من الشعر وما يكتب من النثر يزاول عمله السياسي ويواظب عليه.
أعتقل في عام 1952م، واحتجزت السلطات الأمنية أحد دواوينه الذي كان لا يزال مخطوطاً وأتلفته، فكان ذلك سبباً لضياع كثير من شعره المعروف بأناقته وترفه.
وبعد خروجه من السجن قصد عشائر "جبور" العربية واحتمى بها ومكث بين ظهرانيها أمداً طويلاً. وفي عام 1973م، توجه الى مدينة الحسكة، واستقر هناك حتى وافته المنية في يوم السبت الواقع في الثالث والعشرين من شهر آذار عام اثنين والفين رحل الى الملأ الأعلى، ودفن جثمانه الطاهر في قرية "كر كفتار" في محافظة الحسكة.

اعماله المنشورة:
1-خلات ديوان شعر- قدم له دلاور زنكي- من إصدارات بيروت- لبنان سنة1984م. وأعيدت طباعته عام 1990م في السويد. نقله الى العربية الشيخ توفيق الحسيني.
2-زوزان ديوان شعر- قدم له دلاور زنكي. من إصدارات بيروت –لبنان سنة1990م.
3-جودي ديوان شعر قدم له دلاور زنكي. من إصدارات بيروت –لبنان سنة1998م.
4-طرائف كردية جزء الأول- ترجمة الشيخ توفيق الحسيني الى العربية- دمشق 1996م.
5-المولد الكردي.. قدم له دلاور زنكي. من إصدارات بيروت- لبنان سنة 2006م. نشر في موقع "تيريز نامه".
6-طرائف كردية جزء الثاني- باللغة الكردية. قدم له دلاور زنكي. من إصدارات بيروت –لبنان سنة 2009م. نشر في موقع "تيريز".
أعمال لم تنشر:
-"عدد من قصائد غير منشورة".
من كتابه "طرائف كردية" جزء الثاني:
كهف الجان
مَعْسَرتْ أو Mehsert اسم لقرية كبيرة في زمن غابر وهي الآن مدينة صغيرة في شرق مدينة "ماردين" قريبة منها عن كثب. وتروي الحكايات الشعبية قصصاً عن كهف في غرب تلك القرية مَعْسَرتْ يأوي إليه أطياف من الجان والسعالي والغيلان والمردة فكان الناس يحذرون دخوله ويخشون الاقتراب منه، وفي آناء الليل كانت أصوات الغناء والطرب تصدر منه.
وفي تلك الأيام كان رجل أحدب يدعى سـلو يعيش في القرية، فكان بسبب عاهته يسخر منه الأطفال ويستهزئون به ويجرون وراءه حتى كَره حياته البائسة، فوطّن نفسه على أمر وأخفاه عن الناس.. لقد عزم على الانتحار خلاصاً مما يلقى من هزء الأطفال وعبثهم وإيذائهم... ولكن كيف؟
وبعد إمعان فكرٍ وتأمّلٍ صمم على دخول الكهف المسكون الآهل بالمخلوقات الغريبة من المردة والعفاريت والغيلان فإذا أحست بوجوده بينها قتلته وأنهت أيام حياته البائسة.
وَفي إحدى الليالي، وكان الأطفال قد عبثوا به كل العبث، وأغاظوه كل الغيظ- تسلل من القرية وأمَّ شطر الكهف، فلما دنا منه دنواً كبيراً وصار منه قاب قوسين أو أدنى اندس بين سكان الكهف دون أن يشعرهم بحركته لأن القوم كانوا في شغل شاغل عنه، يقيمون المباهج والأفراح ويعقدون حلقات الرقص كدأبهم كل ليلة حتى الهزيع الأخير من ساعات الليل.
ركد سلو في مكانه أمداً وهو يصغي إلى أغنياتهم وقد ذَهل عن نفسه، ولما استفاق من ذهوله اقتحم جمع الراقصين وانتظم في حلقة الرقص وشرع يردد معهم أغنيتهم الغريبة وهو في رأس الحلقة:
إنما الدنيا أزمنة وأيام؛
السبت والأحد والأربعاء
تعالى يا حبيبي.. هيا أخطبني
فأنا عاشقة قدك الأهْيَف
كان صوت سلو شجياً عذباً رخيماً فاستجابت له مشاعر الراقصين، واستخفهم الطرب فانتشوا وفرحوا فرحاً عظيماً لا عهد لهم به. وأثار دهشتهم أيضاً حركاته الرشيقة ووثبه فأعجبوا به كل الإعجاب.
ولما أشرف ضوء الفجر على البزوغ، تركوا ما كانوا فيه من الابتهاج والسرور وأحاطوا بهذا الدخيل الغريب سـلو الأحدب، وتساءلوا في ما يليق بهم أن يفعلوا بهذا الذي زاد إلى سعادتهم سعادة أخرى، واختلفت الأقوال والآراء وفي خاتمة المطاف قالوا:
-لن نجد مكافأة أعظم من شفائه من حدبة ظهره البشعة.
وفي الحال. أُستدعي الطبيب وأزال الحدبة من ظهر سلو وسرعان ما شفي وغدا رجلاً مستقيم الظهر سوّياً ليس به سوء. ثم نفحوه ببعض الهدايا وعبروا له عن سرورهم بوجوده بينهم وسألوه أن يزورهم متى شاء.
وفي الصباح الباكر عاد إلى القرية وقد امتلأت نفسه سعادة وسروراً ولما رآه الأطفال وأرادوا أن يعبثوا به وقد اعْتدَلَتْ قامته لم يصدقوا أعينهم وحسبوه شخصاً آخر فتركوه وشأنه.
وكان –أيضاً- في القرية شخص آخر أقعس[1]. فلما شاهد الأحدب وقد زال عنه ما كان به من سوءٍ وغدا رجلاً سوّياً في تقويم حسن سأله عن هذا الانقلاب العجيب وعن المعجزة التي أبرأته من عاهته تلك. فتحدث له سلو عما كان من أمره في الكهف. وروى له حكايته بحذافيرها ولم يهمل شاردة أوْ واردة. فطمع الأقعس في زوال بروز صدره، وسوّلت له نفسه أن يمضي إلى الكهف متى حلت ساعات المساء.
وفي إحدى الأمسيات استجمع رباطة جأشه وشجاعته وخرج إلى ظاهر القرية لا يلوي على شيء ولما وصل إلى الكهف ولجه دون استئذان أو وجل. وأقتحم حلبة الرقص وانضم إلى حلقة الراقصين والراقصات. كانت المطربة تشنف الآذان بأغنيتها المألوفة:
إنما الدنيا أزمنة وأيام؛
السبت والأحد ، ثم الأربعاء
هلمّ إليَّ يا حبيبي.. واطلب يدي
فأنا عاشقة قدك الممشوق.
ولكنّ الرجل الأقعس لم يطق صبراً على هذا الخطأ فهبّ صارخاً:
-" كلا.. والصواب هو: السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء".
إلا أن المطربة لم تبال به وثابرت على أداء غنائها.
ولكنّ صاحبنا الأقعس عاد إلى الاعتراض والاحتجاج وقال:
-" ليس الأمر هكذا... الأيام في الحقيقة هي السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء فلماذا الإصرار على الخطأ؟؟ إنما الرجوع عن الخطأ فضيلة".
واظبت المغنية على إنشادها وواظب الأقعس على انتقاده.
ولما تكررت هذه الحالة استاءت المطربة من تطفل هذا الرجل الدخيل وكفت عن الغناء.
وانقطع صوت المزامير والطبول وانحلّت عقدة المجتمعين.
وهكذا أفسد الأقعس على القوم مسرتهم فجاءوا به وتشاوروا في شأنه وفي ما يستحق من جزاء. ثم قرروا بالإجماع أن يضيفوا إلى ظهره حدبة سلو عقوبة على ما اقترفه بسوء تصرفه وتطاوله وتدخله في مالا يعنيه. ثم طردوه شر طردةٍ وقالوا له:
-" إياك أن تفكر في العودة إلينا وإلا لقيت منا شراً مستطيراً وجلدنا بك الأرض".
عاد الأقعس ملوماً محسوراً، وقد غدا أقعس أحدب وكان يرجو أن يبرأ من قعسه فجلب لنفسه عاهة أخرى، وجعل يندب جده العاثر لأنه تدخل في أمر لم يكن يعنيه.




del.icio.us
Digg
إضف تعليقك