تعود بدايات الروائي الكردي السوري ريدي مشو إلى تماسٍّ مبكّر مع القراءة نشأ داخل فضاءٍ منزليٍّ محدود الإمكانات، لكنه مشحون بالأسئلة والدهشة. في تلك المرحلة الأولى، كانت المكتبة المنزلية عالماً مغلقاً يثير الرهبة ويغذّي الفضول في آنٍ معاً، وتحوّلت الكتب إلى أجسام صامتة تحمل وعداً غامضاً بمعرفةٍ مؤجَّلة. هذا الاحتكاك الأوّل بالكتاب جاء في سياقٍ لغويٍّ معقّد؛ فالتجربة الكردية مع العربية، لغة التعليم والكتابة، فرضت مسافةً احتاجت زمناً وتجربةً حياتيةً كي تضيق وتتشكّل على مهل.
في سنوات المراهقة والدراسة الثانوية، اتّسعت دائرة القراءة وتنوّعت، وتحوّل الانجذاب الغريزي إلى وعيٍ تدريجي بدور الكتاب في فهم العالم وتفكيك ما يجري حوله. عند تلك العتبة، خرجت القراءة من نطاق الاكتشاف الشخصي لتغدو أداة مساءلة للذات والتاريخ والمكان. لاحقاً، ومع الانتقال إلى الجامعة واتّساع المحيط الثقافي العربي، أخذت اللغة العربية بعداً مختلفاً، وصارت قابلة للتصرّف والتشكيل، ما فتح الطريق أمام السرد الطويل النفس، القادر على احتواء التناقضات والقلق والأسئلة المفتوحة.
هذه البدايات، المشدودة بين لغةٍ تُكتسب وهويةٍ تبحث عن تعبيرها، ستنعكس لاحقاً في مشروع ريدي مشو الروائي، حيث يظهر التوتر بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية، وبين التاريخ الموروث والتحوّلات العنيفة للراهن. من هنا، تتأسس الكتابة لديه على إعادة وصل ما انقطع، وعلى محاولة منح التجربة الشخصية امتداداً إنسانياً أوسع، مع وعيٍ حاد بأن السرد مسارٌ شاق يتطلّب صبراً وحذفاً وإعادة نظر مستمرة.
في هذا الحوار، نقترب من تلك البدايات ومن تحوّلاتها اللاحقة، ونتتبّع مسار الكتابة عند ريدي مشو عبر أسئلته عن اللغة، والتاريخ، والذاكرة، وبناء الشخصيات، ودور الرواية في زمنٍ مثقلٍ بالعنف والضياع، لنقف على ملامح مشروعٍ روائيٍّ يتشكّل عند تخوم التجربة الشخصية والأسئلة الكبرى للإنسان والمكان.
بدايةً… كيف تشكّلت علاقتك الأولى مع الأدب؟ وما اللحظة التي شعرت فيها أن الكتابة قدرك؟
بدايةً تلمّستُ حبّي للقراءة انطلاقاً من مكتبة المنزل. كنتُ في الرابع أو الخامس عشر من عمري، وبشكلٍ ما انجذبتُ إلى هذه الكائنات الورقية. كانت المكتبة صغيرة، وأغلب ما تضمّه كتب ذات طابع ماركسي شيوعي، أي مؤلّفات لينين و«رأس المال». وحقيقةً لا يمكن لطفلٍ إلّا الانجذاب إلى تلك الأغلفة التي الآلهة على الكتاب، ناهيك عن ضخامة حجم تلك الكتب مقارنةً بالكتب المدرسية. وما زاد الفضول عندي هو أنّها كلّها كانت كامنة خلف زجاجٍ سحّابٍ مُقفل، الأمر الذي بعث في نفسي شيئاً من الرهبة ممزوجاً برغبةٍ قاتلة لحمل تلك الكتب بيدي. بدت لي، بشكلٍ ما، أنّها كتب مقدّسة، مثلها مثل الكتب السماوية، كذلك تبدّى لي أنّها تُمنع على الأطفال من لمسها دون مقدّمات الوضوء والخشوع. أحسستُ أنّ كتب والدي وإخوتي كذلك تستدعي ذات المقدّمات.
كانت هذه هي بداية تكوّن علاقتي الداخلية أو الروحية مع الكتاب. وبين تلك المجلّدات كانت أعمال تشيخوف القصصية الكاملة، ورواية «المقامر» لدويستوفسكي، وعمل لجنكيز إيتماتوف، و«كيف سُقينا الفولاذ». هي الأعمال التي قرأتها في المرحلة الثانوية، وشكّلت بالنسبة لي وقود ما أنا عليه الآن. أدركتُ حينها أنّ القراءة هي قدري، ولاحقاً أُضيف قدرٌ آخر لا يقلّ تشويقاً وصعوبةً، وهو كتابة الرواية.
كونك تجمع بين الصيدلة والكتابة والموسيقى… كيف أثّرت هذه الخلفيات المتعدّدة في رؤيتك الروائية؟
«الحبّ في القلوب هو كيمياء»، جملة قرأتها في بدايات مشواري في قصيدةٍ من قصائد الشاعر الكردي المتصوّف ملا جزيري. طبعاً كانت القصيدة موزونة، لها إيقاع ونبضة موسيقية. مع هذا الشاعر التحمت القراءة مع الموسيقا، ووجدتُ أنّه لا بدّ من إضفاء روح الموسيقا إلى الكلمة. وباشرتُ أولى الألحان البسيطة لأشعاره، من ثمّ انتقلتُ لتلحين قصائد شعراء آخرين مثل أدونيس، ورياض صالح الحسين، وسليم بركات، وغيرهم. والآن يمكنني القول إنّ الكتابة بذاتها كيمياء وموسيقا في ذات الوقت. ما لم يتوفّر هذان العنصران أو المكوّنان سنحصل على منتجٍ مُنفر!
يمكن اعتبار الحروف ذرّات، والكلمات جزيئات، والجمل سلاسل حموضٍ أمينية، تلك التي تتشكّل منها كائنات الأدب والمقال على تنوّعها. إنّ غياب هذا التناسق وتوازن المقادير بين الجزيئات والذرّات قد يُفضي إلى تشكّل كائنٍ مشوّه. إذاً لا بدّ من إضفاء شيءٍ من الموسيقا والتناغم بين الجمل والكلمات لخلق كائنٍ جميلٍ وجذّاب. أخيراً أجد الكتابة والموسيقا مثل الصيدلة والكيمياء، إنّها صنعة ليست الغاية منها سوى ابتكار الدواء لداءٍ ما. إنّ فهم عمق الترابط هذا سيُفضي بالضرورة إلى شيءٍ مميّزٍ وملفت، ولو أنّ الأمر أعقد ممّا ذكرت، ولا زلتُ أتدرّب عليه من روايةٍ لأخرى.
في روايتك الأولى «حبوكر»، قدّمتَ عالماً غريباً ومشحوناً بالتحوّلات… ما الفكرة الأساسية التي دفعتك لكتابة هذا العمل؟
كانت «حبوكر» روايتي الأولى. بدأتُ العمل عليها في السنة الخامسة من عمر الحرب السورية، أو الثورة. ومثل الأعمال الأولى جميعها مررتُ بانتكاساتٍ عدّة، وتوقّفتُ عن الكتابة مراراً لأسبابٍ عدّة، منها ما هو متعلّق بالظروف، وأخرى متعلّقة بقصورٍ في تقنيات السرد أو ضبابية الفكرة وتشعّبها حدّ الضياع. ولعلّ محاولات الكتابة والحذف تلك كوّنت شخصيّتي الروائية أكثر من أيّ شيءٍ آخر. نعم، الكتابة والحذف المتكرّر، والشعور بعدم الرضى، والبحث عمّا هو أوضح وأجمل وأعمق، تلك هي عتاد الكاتب.
في سنوات القتل تلك، والتي لم تنتهِ بعد، هجر الناس المدن إلى قراهم ومدنهم، كما لو أنّهم يرغبون بالموت بين أهلهم، هذا إن كان الموت قدرهم. وكما نعلم كان الأمر أعقد من هذا. شكّلت الحواجز العسكرية نقاط تفتيش على الهوية. تصوّروا شخصاً من إدلب أو ريف حلب يعيش في دمشق أثناء الاقتتال سنة ٢٠١٤. بذلك تشكّلت لديّ البذرة الأولى للرواية، وهي فكرة العودة والتشبّث بذكرياتٍ ماضيةٍ جميلة، لأنّ الذكريات الجميلة لن تتشكّل في الزمن الحالي. فكرة العودة للعيش في ذكرياتٍ مضت تحمل ضمن طيّاتها المرور بعكس حركة الزمن، وبشكلٍ ما يستدعي الأمر بعض العنف، وقد يستدعي الاقتتال أيضاً من أجل إحياء تلك الذكريات. وشيئاً فشيئاً وجدتُ أنّ العديد من الحركات والجهات تعيش على ذات المبدأ، وهو استعادة عصورٍ مضت وإحياء العادات والقوانين القديمة. وبذلك تعقّدت وتنوّعت مسارات الرواية. كما هو عنوان العمل، «حبوكر»، وهو الرمل الذي يضيع فيه السالك، وفي الرواية طغى الضياع على جميع الشخصيّات بلا استثناء.
روايتك «لعنة المعرّي» تمتدّ على حقبتين تاريخيتين مختلفتين. كيف تعاملتَ مع البناء التاريخي؟ وما أهمّ التحدّيات في صياغة السرد عبر جيلين؟
فيما يتعلّق برواية «لعنة المعرّي» والبناء التاريخي للرواية، يمكنني القول إنّها أوّل رواية استدعت منّي العودة لقراءة عشرات الكتب، ابتداءً من مؤلّفات المفكّر حنّا بطاطو، وبالأخص كتاب «فلاحو سوريا»، مروراً بالكتب التي تُعنى بالحياة السورية في الحقبة العثمانية، انتهاءً بقراءة العديد من الكتب التي تُعنى بالمدارس الصوفية الرفاعية والبهائية التي كانت منتشرة بكثرة في تلك البقاع. وطبعاً استدعى منّي بحثاً حثيثاً لقراءة معظم ما كُتب عن أبي العلاء المعرّي ومدينة المعرّة بذاتها.
استغرق منّي الأمر سنةً أو أكثر من القراءة المنهجيّة، حتى ألّفتُ كرّاساً بحجم الرواية يضمّ العديد من الملاحظات والسير. بدأت شرارة ذلك من كسر رأس تمثال المعرّي في مدينة المعرّة. آلمني المشهد لحدٍّ كبير، ربّما لشدّة تعلّقي بهذا الفيلسوف وارتباطي به منذ سنواتٍ طويلة، لكن بقيت الفكرة غامضةً لديّ، ولو أنّني أدركتُ أنّها مختبئة بين طيّات تاريخٍ مضى. عدتُ إلى الملاحظات مراراً، إلى أن أمسكتُ بتلابيب الفكرة أو التحوّل المركزي الذي سأبني عليه بناء الرواية، وكان قانون الطابو العثماني سنة ١٨٦١. أتى هذا القانون نتيجة ضعفٍ وتشتّت الإمبراطورية العثمانية، ما استدعى منهم تقوية الأطراف، ولا أفضل من منح إقطاعيٍّ ما صلاحيّاتٍ واسعة كي يلعب دور السلطة في منطقته بغياب السلطة. وبذلك مُنحت أراضي الإقطاعيّين الصغار لإقطاعيٍّ أكبر، وتشكّلت العداوات من حينها وتعمّقت ضمن المجتمع، وهو ما أبيّنه بوضوح في الرواية.
كان لا بدّ لي أن أمرّ بالعديد من المفارق التاريخية واستثمارها لبناء الرواية، ابتداءً من قانون الطابو، مروراً بالوحدة العربية بين سوريا ومصر، انتهاءً بسنة ٢٠١١. بشكلٍ ما، وبصدفة، قُسّم الزمن إلى زمنين امتدّا على مسار ١٥٠ سنة. رويداً رويداً تشكّل لديّ التصوّر، ووجدتُ أنّه لا بدّ لي من طرح الرواية على مرحلتين: الأولى تُعنى بسيرة الآباء وحياتهم وبما كانوا يعتقدون، والمرحلة الثانية هي سيرة الأبناء التي بدت مشوّشة، لا تقوم على أساس، لحظيّة تغيب فيها الأسطورة والتأمّلات والعمق. من ثمّ كان عليّ تشكيل وهندسة الزاوية من حيث الشخصيّات والبيئة ومختلف انعطافاتها. بالنسبة لي كنت أكتشف منحنيات التاريخ بتفاصيل لم أعهدها، لكن عندما امتلكتُ بعض المعرفة أخذتُ أشعر بتأثيرات تلك المنعطفات على ما يجري من حولي في الزمن الراهن.
بالنسبة لصياغة السرد أو تشكيله بين جيلين، فهناك اختلافٌ كبير. في قسم سيرة الآباء كانت الأسطورة والغرابة حاضرتين، ووفق ذلك كان السرد. أمّا في زمن الأبناء فقد كانت الأسطورة غائبةً تماماً، لذا أُسّس السرد على أحداثٍ متعاقبة بوتيرةٍ سريعة، تقريباً لا تمنح وقتاً للتفكير بهدوء. كان سراج بهاء الدين هو آخر الأبناء الذين عاشوا على تماسٍّ مع أساطير الآباء، وهو أيضاً طرأ عليه تحوّل، والتهمته الأحداث والتقلّبات المتلاحقة. وهناك لمحات أوضح ممّا ذكرت ضمن طيّات الرواية.
في «حجيج البحر» يظهر البحر كرمزٍ جوهري… ما الذي يمثّله البحر في وعيك الروائي؟
شكّل البحر لي رعباً دوماً، ولاحقاً أُضيف إلى هذا الرعب صفةٌ أخرى، وهي الهجرة أو الموت. وبشكلٍ ما يتآلف المعنيان، فالموت هجرة، والهجرة موت. شكّل البحر بالنسبة لي في الرواية اغتراب الإنسان عن ذاته وهجرها، والتمسّك بأشياء خارجة عن الذات وتحويلها إلى ميزاتٍ ذاتية. نجد في الحياة حولنا ما لا يُحصى من الأمثلة، انطلاقاً من اختصار الذات في صفحة الفيسبوك والإنستغرام بكلّ ما تحمله من تبسيطٍ وسذاجةٍ تصل حدّ الغباء، أو ذاك الذي يشتري أحدث موبايل أو سيارة أو حذاء، أو التي تحلق شعرها عند الكوافير الفلاني، أو الذي يفطر في المطعم الفلاني. ناهيك عمّن يرى في نفسه قيمةً لأنّه حجّ للبيت الحرام أكثر من مرّة، وهلمّ جرّاً. أي إنّ الشكليّات المُفرغة من المعنى هي من توجّه الذات، أو معظم الذوات. إذاً البحر هنا فكرة تشتمل على كلّ ما سبق، وما يزيد عليها.
يمكن اعتبار رواية «حجيج البحر» أقرب للديستوبيا أو روايات الخراب. سُردت الرواية بأسلوبٍ يعكس شيئاً من الكوميديا السوداء. حاولتُ التنبّؤ بمصير أناسٍ يعيشون كذلك من خلال الرواية التي أعتبرها أقرب لحلمٍ أو كابوسٍ مديد.
تتناول أعمالك الذاكرة، التحوّلات، وعلاقة الإنسان بتاريخِه… ما سرّ حضور هذه الثيمات بقوّة في رواياتك؟
لا يوجد سرّ في ذلك، وهو حضورٌ طبيعيٌّ وضروريٌّ ولا بدّ منه، خصوصاً في هذه البقعة الجغرافية من الأرض، حيث التاريخ والذاكرة الجمعيّة حاضران في كلّ حين عند الأفراد والجماعات، ناهيك عن تعرّضنا جميعاً، بشراً وجغرافيا، إلى تحوّلاتٍ قاسية على مرّ التاريخ. مثل هذه التحوّلات طرأت على الناس في العالم، لكنّنا، وبشكلٍ ما، نعيشها على الدوام وفي لحظة، كما لو أنّنا نحيا فوق جذعٍ طافٍ على الماء، دوماً في تأرجح، ويصبح عاليه أسفله.
لذا لا يمكن بأيّ شكل كتابة الرواية بعيداً عن هذه الثيمات. أتحدّث عن نفسي على الأقل. كذلك أنا متيقّن أنّني لستُ إلّا حلقةً في سلسلةٍ طويلة من الكتّاب الذين بحثوا عميقاً في كلّ هذه التحوّلات، سواء على مستوى الفرد أو المجموعات والجغرافيا. وأنا، كما يقول ميشيل فوكو، وريث هذه الثقافة وحامل لوائها. لذا أجدني مسؤولاً وملزماً بالتوقّف عند العديد من المفارق وغربلتها.
كيف ترى علاقة الرواية بالتاريخ؟ هل على الروائي أن يعيد كتابة التاريخ أم أن يقدّم قراءةً إنسانيةً موازيةً له؟
علاقة الرواية بالتاريخ سؤالٌ عميقٌ ومتشعّب. ما هو التاريخ؟ هل القصد ما جرى من أحداثٍ وحروبٍ بين الشعوب والأمم والأديان؟ أم نتحدّث عن تاريخ الفكر والفلسفة والفنّ والموسيقى؟ أم عن غيرها من التواريخ؟ هنا أجد الرواية جامعاً لكلّ هذا، وهي مسؤوليّة عظيمة ولا شكّ، أي القدرة على خلق هذا الترابط والتلاحم بين مختلف التواريخ وكتابتها بسردٍ جميلٍ وشيّق، باعثٍ على الفضول. وأكثر من ذلك هو فتح مسارات تأويلٍ وتفسير في تلك الجوانب الصلبة من التاريخ، أو بعث شعاع نورٍ في روايةٍ مظلمة من التاريخ أو النفس البشرية.
بشكلٍ ما يتحوّل الروائي إلى أكثر من كونه سارداً أو مؤلّفاً لحكايةٍ جميلة، ولو أنّها شرط تكوين الكاتب والروائي. لكن بغياب تلك الكيمياء والمعرفة المتعلّقة بتركيب وهندسة التاريخ، تصير الحكاية شيئاً بسيطاً وعابراً.
ما الذي يختلف في طريقتك في كتابة الرواية عن طريقتك في كتابة الشعر؟
كتبتُ ما يشبه الشعر، على الأقل شكلياً، في مراحل الكتابة الأولى، كنتُ كمن يتعلّم نطق اللغة حينها؛ إذ إنّنا ككرد، ولو أنّنا درسنا باللغة العربية، لكنّنا لم نكن نعيش اللغة، وبالتالي صعب عليّ الإبداع فيها بدايةً، إلى حين كبر المحيط العربي حولي في مرحلة الجامعة في حلب. لم أمارس الشعر طويلاً لسببٍ وجيه، وهو أنّني لستُ شخصاً شاعراً لدرجةٍ كبيرة، بل أقرب لشخصٍ يعشق التفسير والسرد، لكنّني لم أتوقّف يوماً عن قراءة الشعر، سواء الشعر العربي المعاصر أو المترجم أو الشعر الكردي، ولو أنّ بعض الأصدقاء أشاروا إلى النفحات الشعرية في بعض جمل رواياتي.
هل ترى أن الموسيقى تؤثّر في أسلوبك الروائي؟ وكيف تُسهم الإيقاعات في بناء الجملة والسرد؟
كما ذكرتُ سابقاً، إنّ غياب الموسيقا أو التناسق والتناغم على مستوى اللغة وبناء الشخصيّات وتفاعلها من بعضها ومع ما يجري حولها في زمنٍ ومكانٍ معيّن، غياب ذلك بالضرورة يجعل العمل رديئاً وغير جديرٍ بالقراءة. إذاً لا تتعلّق الموسيقا باللغة ذاتها، بل تذهب أبعد.
ما رؤيتك للمشهد الروائي السوري اليوم؟ وأين ترى موقع الأدب الكردي ضمن هذا المشهد؟
قرأتُ العديد من الأعمال المنشورة منها وغير المنشورة، ولا يمكنني القول إنّني قرأتُ معظمها. تصوّري الراهن أو تقييمي ليس جيّداً في الحقيقة. يمكن القول إنّ عدداً كبيراً من الأعمال الروائية انطلق من رؤيةٍ بسيطة تتمحور حول تجربةٍ ذاتيةٍ منقطعةٍ عن السياق، وبالتالي مملّة وغير مشوّقة، ولا تحمل سمات الرواية الباعثة على التفكّر والتأويل، ولا حتى الاستمتاع بالحكاية ذاتها أو تشكيل أسئلةٍ معيّنة حول الذات والزمان والمكان. عندما تتحوّل الرواية إلى نشرة أخبار تكرّر كتابة ما هو مصوّر أو تسرد ما هو معلوم دون إضافاتٍ فكرية أو تأويلية أو جمالية، حينها يمكن القول إنّه عملٌ فاشل مهما كانت الحكاية التي تسرد، أو مهما كان حجم المأساة التي عانى منها الكاتب أو محيطه. بدا لي أنّ هناك استسهالاً في التعامل مع الرواية، أو أنّ الهدف الأساسي هو إضافة صفة الروائي إلى السيرة الذاتية للشخص.
لم أجد شخصياً أعمالاً ملفتة ممّا قرأتُ، على الأقل، وهي بضع عشراتٍ من الأعمال، لكن وبلا شك، ومهما كانت تلك الأعمال تعيسة من حيث المحتوى والشكل، يمكن الاستفادة منهما لخلق أعمالٍ عميقة تعبّر عن حجم المعاناة والتحوّلات التي طرأت على الإنسان في هذه البقعة وهذا الزمن الوحشي.
باختصار، لم تواكب الرواية حجم الدمار والتحوّلات التي حدثت في الواقع. لم تتأسّس كما تأسّست القوى والجماعات المسلّحة. لم يطرأ على الرواية ما يكفي من التحوّلات لتعبر عن حجم وتنوّع التحوّلات التي وقعت في المجتمع السوري بين مختلف المكوّنات. لم تزل قاصرة عن التعبير. لعلّ الزمن كفيل. وربّما يحتاج المرء للابتعاد عن الصدمة والتريّث قبل الكتابة، أي التفكير بالحدث من مختلف الجوانب ومحاولة إيجاد الترابطات التي تتجاوز التجربة الذاتية، التي ولو يمكن استثمارها، لكنها تظل قاصرةً عن إيضاح أو عكس تجلّيات ما يجري.
كيف تتعامل مع بناء الشخصيّات؟ وهل تعتمد على نماذج واقعية من محيطك أو تجارب شخصية؟
مسألة اختيار الشخصيّات عقدة برأيي. مثلاً، شخصيّة «رمو» في رواية «حبوكر» استمدّت ملامحها من شخصيّة عرفتها في المرحلة الإعدادية. بدت استعادة تلك الشخصيّة منسجمةً مع فكرة العودة إلى الوراء واستعادة ما جرى، أي إحياء الذكريات، لكن بالضرورة أضفيتُ عليها العديد من السمات النفسية وفق ما تتطلّبه الشخصيّة ضمن سياق الرواية. لا مناص من اختيار سماتٍ معيّنة من المحيط أو استثمار صفاتٍ شكلية لشخصٍ ما من أجل بناء شخصيّة، ولا يخفى أنّ كلّ شخصيّة تحمل شيئاً من سمات أو مكوّنات الكاتب، وإلّا فمن الصعوبة بمكان التعمّق في بناء الشخصيّة بالاعتماد على معرفةٍ بعلم النفس وحده. من قد ينكر النزعة الإجرامية عند دوستويفسكي؟ كيف يمكنه التفكير مثل مجرم أو أبله دون أن يكون لديه تلك السمات بدرجةٍ ما…
يبقى خاطئاً أن يأخذ الكاتب شخصيّةً ما كما هي في الواقع، أو يبتكر شخصيّةً ليست إلّا هو بذاته. حينها لا بدّ أن تتشوّش الرؤية، فيختلط الكاتب بالراوي والسارد، ويفقد العمل بعض عناصره الفنية. لا مناص من الاستعانة بالواقع لتشكيل شخصيّةٍ ما، لكن هناك أفقٌ مغاير وهو خلق شخصيّاتٍ من محض الخيال بما تتناسب مع سياق الرواية. مثلاً، في رواية «لعنة المعرّي» ابتكرتُ شخصيّاتٍ لم أتقاطع معها إطلاقاً، ولم يكن لديّ تصوّر واقعي عنها. ربّما استعنتُ بمعرفتي بالأنف المقدوني المستوي مع الجبهة، وهي سمة دارجة في إدلب، واستفدتُ من حقيقة تمركز الإسكندر في منطقة إدلب ونواحي منبج. كذلك استعنتُ بمعرفتي بالصفات المورفولوجية الرومانية والعثمانية، ما ساعدني على إضفاء هذه السمات على الشخصيّات وتشكيلها. نرى أن بناء الشخصيّة يبلغ هذا الحد من العمق، على الأقل معي أنا وفي رواياتي، وكذلك حال شخصيّات رواية «حجيج البحر» هي محض خيال في جميع سماتها النفسية والشكلية.
ما أثر الواقع السوري خلال العقد الأخير على رؤيتك الفنية؟ وهل دفعتك الظروف إلى إعادة صياغة مفهوم «الإنسان» في أعمالك؟
بالنسبة لأثر وتأثير الواقع السوري في رواياتي، يمكنني القول إنّ رواياتي متأثّرة لحدٍّ كبير، أصلاً بدأتُ الكتابة والنشر ضمن هذا الواقع ومؤثّراته. يمكن للقارئ أن يلمس الصبغة السوداوية والضياع وغياب الهدف، وتحولات الشخصية غير المدروسة، والتشظّي في النفس البشرية والواقع. شهدنا ما لا يمكن تجاهله، ولو حاولنا بوعينا، يبقى اللاوعي له سطوةٌ واضحة. ولو أنّني من الكتّاب الذين يجنحون إلى قراءة الواقع من زاويةٍ نفسيةٍ لدرجةٍ كبيرة، أي لديّ قدرة على التحرك على الهامش دون الضياع في الأحداث بذاتها، وتلك هي صفة المراقبة والملاحظة دون تدخّل التجربة الذاتية كثيراً في التفاصيل.
بالعموم أنا متشائم فيما يخصّ مستقبل البشرية جمعاء، وأعتقد أنّ هذه النظرة ستتكرّر في رواياتي اللاحقة أيضاً.
كيف تختار أفكار رواياتك؟ وهل تبدأ الفكرة من شخصيّة، أو حدث، أو مشهد، أو سؤال؟
مصادر الأفكار لا تُحصى، سواء من مشاهد أو شخصيّات واقعية أو أحداث أو القراءات المتنوّعة، التي هي المصدر الأوفر للابتكار وإبداع أو تحديث فكرةٍ ما. في روايتي الأولى ارتبطت الفكرة الأوليّة مع تجربةٍ ذاتية، وهي ترك دمشق في ٢٠١٢ والعودة إلى القامشلي، مثلي كمثل الآلاف من الناس، لكن مع تشرّب الفكرة توسّعت في مساراتها ومعانيها لتشمل تجربةً وحياة تتجاوز حياتي وتجربتي الشخصية. وفي الرواية الثانية حاولتُ فهم تحولات الإنسان في هذه البقعة، وخصوصاً في إدلب وريف حلب، وهذا التوجّه السلفي والجهادي العابر لحدود الدولة. ولو أنّ هذا الأمر بات معروفاً ومدروساً من ظهور تنظيم القاعدة، وقبلهم الإخوان المسلمون، لكن الأمر ظلّ إشكالياً عليّ، ولم أستطع تقبّل الأمر ببساطة.
أدركتُ أنّ هناك العديد من العوامل التي تتداخل لتكوين هذه البنية، لذا كانت محاولة سبر مفارق معيّنة من التاريخ واستثمارها من أجل فكرة الرواية، التي تجنّبتُ فيها كمحترف إطلاق أحكامٍ قبليّة، وعالجتُ الموضوع بصورةٍ أظنّ أنّها كانت منطقية. وفي الجزء الثاني غير المنشور بعد من رواية «لعنة المعرّي»، أسرد العديد من التفاصيل والأحداث حول هؤلاء الأفراد والجماعات، معتمداً على قراءاتي وجزءٍ من تجربتي مع بعض الناس المتطرّفين في توجّهاتهم الدينية. أمّا فكرة رواية «حجيج البحر» فقد قدِمت من سياقٍ معرفي وفكري وبحث. وأحياناً قد تدفعك قراءة مقالٍ إلى صياغة فكرة رواية، والصور لديها هذه القدرة، بمعنى أن الروائي ينبغي أن يكون شديد الملاحظة بحيث يمكنه الاستفادة من أيّ تفصيل، سواء كان واقعاً أو متخيّلاً.
ما الذي تطمح أن يجده القارئ في أعمالك… رؤية، متعة جمالية، أسئلة وجودية، أم كلّ ذلك معاً؟
يجد القارئ ما يجده في الأعمال وما يتوافق مع ذوقه ومعرفته ووعيه، لكن بالتأكيد أرجو أن يجد المتعة في قراءة العمل، لأنّه بغياب هذه المتعة لا معنى للعمل مهما كانت مشبعةً بالأفكار. فالعمل الروائي ليس مؤلَّفاً فكرياً أو فلسفياً جامداً، وكذلك ليس نصّاً صحفياً مباشراً، وليس سرداً متسلسلاً للأحداث، بل أشبه بما عُرض في فيلم «ماتريكس»، حيث الواقع يصبح أشبه بالخيال والخيال يصبح واقعاً، أي تغيب الحدود بينهما. أرغب في دفع القارئ للشعور بالمتعة والغوص حدّ الغرق في تفاصيل الرواية.
وبالطبع الرؤى والأفكار مهمّة. سأحزن إن قرأ أحدهم روايةً من رواياتي دون أن تصله الفكرة التي أُسّست الرواية عليها. لكن يوجد من يقرأ الرواية وينجذب إلى التفاصيل، لكنه يغفل الفكرة الأوسع والأكبر من جميع الشخصيات، ومع ذلك فهو أمرٌ حسن أن يُكمل القارئ الرواية وينجذب إلى شخصيةٍ أو يتأثّر ببعض المواقف.
هل تخشى أن يُساء فهم أعمالك بسبب جرأتها الرمزية أو التاريخية؟
لا خشية أبداً. سأكتب كما أكتب، ويفهم القارئ ما يشاء ويؤول كيفما يشاء، وأعتقد أن الكتابة ستموت إن وُجدت مثل هذه الخشية لدى الكاتب. أعلم أنّنا نحيا في زمنٍ وحشي ومتقلّب، حيث الأحكام القبلية والتصورات المسبقة تطغى على العقل والتفكير، ولا يمكن تجنّب الفهم الخاطئ للعمل أو تجنّب الاحتكاك مع أولئك الذين لديهم موقفٌ مسبق وتأويلٌ جاهز ضد أيّ عمل غير منسجمٍ معه ومع أفكاره. لكن دوماً هناك من يفهم، وقد يزيد على الكاتب بذاته. أين هؤلاء؟
ما الدور الذي يجب أن يلعبه الروائي اليوم في عالم يمتلئ بالعنف والتحولات والضياعات؟
مهمة الكاتب، إلى جانب غيره من العاملين في حقول الكتابة والمعرفة، هو منع انفصال التاريخ عن بعضه البعض. عليهم جميعاً ربط التفاصيل ببعضها والغوص عميقاً فيما وراء الأحداث الراهنة، وتبنّي رؤيةٍ تحليليةٍ وتفسيرية عوضاً عن سرد الأحداث أو عكس الواقع على الورق. لا جيوش لنا ولا جواسيس. هذا معلوم. ومعلوم أنّ بيدنا أقوى جيش بتعدادٍ يفوق الخيال، أقصد الكلمات، وهذه الكلمات تصبح جواسيس تدخل العقول والقلوب. يا لها من مسؤولية، اختبرها كتّاب ومفكّرون قبلنا، والدور علينا الآن. لا مناص من الجرأة والشجاعة إلى جانب ما عداها من تقنيات السرد.
حدّثنا عن مشروعك الأدبي القادم… وهل ستواصل التنقّل بين القضايا التاريخية والرمزية؟
مشروعي القادم يدور حول مرحلةٍ زمنية في مدينة قامشلي. أحاول تفنيد حيوات أناسٍ بسطاء في زمن الحرب، أولئك الذين وجدوا أنفسهم بلا هدف، وشعروا أنّ الحياة والقدر قد خانهم. العمل يطفح بالرمزية ولا يخلو من النظرة السوداوية. وأعمل حالياً على رواية تدور حول الجريمة، ولا يمكنني تسميتها بالبوليسية.
المصدر : موقع هلات