Share |

رحل سعيد عقل سيد الحرف ومعلم الأجيال

اسم سعيد عقل على أحد شوارع الأشرفية- سعيد عقل يغادر عالمًا قضى فيه مئة وعامين

لا شك في أن رحيل سعيد عقل أوقع لبنان في خسارة كبيرة، فهو من رفع لواء زحلنة لبنان ولبننة العالم، مرسلًا إلى هذا العالم حرفه اللبناني الذي يدرّس في جامعات عدة.

بيروت: انكسر شلح الزنبق مجدًا على ثرى لبنان، بعد أن نثر عطره على امتداد بلد الأرز، شعرًا ونثرًا يحاكي لغة الآلهة حبًا لوطن جميل، أراده كما زحلة مسقط رأسه، وأراد العالم كما ذلك اللبنان، قائلًا: "بدي زحلن لبنان ولبنن العالم".

انه سعيد عقل، الفيلسوف الذي شُغف بجمال زحلة وبيته العتيق في حارة الأبطال، فأراد لبنان على صورتها ومثالها، كانت البداية من زحلة لتمتد قصة عنفوان عن بلد صغير خلق أوروبا وعلمها أبجدية حملها على سفينة فينيقية، من خشب الأرز المقدس.

العنفوان

"لو لم يكن لي رب أعبده لكان لبنان هو ربي"... هكذا أحب سعيد عقل لبنان، وهكذا أراده سيد العالم. غاص في أعماق التاريخ ليخبر العالم عن ذلك اللبنان، الذي صنع مجدًا مدويًا سلاحه حرف وسفينة، وأرزة نبتت في صخور لبنان، لتمنحه مجدًا وعنفوانًا أراد أن يعلمه لشعب لبنان.

قال: "بدي علم الشعب اللبناني العنفوان"، فحمل لبنان في قلبه وفاض حبه على صفحات كتبه، مستلهمًا من مجد فينيقيا وفخر الدين مجدًا نحته على صخور لبنان، فكان مهندس ذلك الألق، فكأنما حلمه بدراسة الهندسة الذي لم يتحقق تحقق في غابات الأرز وفي الصخور الصلبة التي شكلت لبنان على مر العصور.

لم يكفه البلد

لبنان إن حكى، رندلى، بنت يفتاح، المجدلية، قدموس، أجمل منك... لا، يارا، الذهب قصائد، خماسيات، كأس الخمر، كما الأعمدة، كتاب الورد، أجراس الياسمين... محطات في رحلة امتدت على مدى سنوات ذهبية لتصنع مجدًا حلم به الشاعر الصغير كما كان يلقب، مجدًا لم تكفه حدود بلده ليمتد إلى العالم القريب.

 

غنى عقل الأردن والشام، وكانت "زهرة المدائن"، و"سيف فليشهر"، أجمل تعبير عن قدسٍ دائمًا في البال، انسكبت قداسة على العالم بألحان الأخوين رحباني وأعجوبة الصوت الفيروزي.

وأنشد مكة المكرمة كما لم ينشدها أحد قبله، فإذا بها تملأ العالم خشوعًا وقربًا من الله، بصوت فيروز الملائكي، وهي تقول:

 

غنيت مكة أهلها الصيدَ          والعيد يملأ أضلعي عيدا

 

فرحوا فلألأ تحت كل سما بيت على بيت الهدى زيدا

 

وعلى اسم رب العالمين علا بنيانه كالشهب ممدودا

 

يا قارئ لقرآن صل له  أهلي هناك وطيب البيدا

سيد الحرف

أما العالم البعيد فكان على موعد مع إبداع عقل الشاعر الفذ، فلم لا يخاطبه بلغة عالمية؟ لماذا لا يستعمل الحرف اللاتيني للتحدث بلغة لبنان؟ أليس لبنان ابن فينيقيا هو من اخترع الأبجدية؟

 

كان لسعيد عقل أبجديته المؤلفة من ستة وثلاثين حرفًا، وقال هدفه هو حرف عالمي، وهو اليوم يدرس في أهم ست جامعات في علم اللغات والألسنية، ضمنها جامعة السويد، وأكثر من جامعة في الولايات المتحدة. ودعا العالم الألماني هاينز غروسفيلد كل لغات العالم إلى الكتابة بحرف سعيد عقل والأخذ بفلسفته أي بأن يكون لكل حرف لفظه.

ويتصف حرف سعيد عقل بالأناقة والجمال، فليس من نقاط على الحرف او علامات تدل على نبراته كما في اللغة الفرنسية. أدخل المنطق على الحرف فأعطى لكل صوت شكلًا، فحرفه يحافظ على الصوت الذي يعبر عنه أينما ورد، فإستعمال الحرف بأصوات مختلفة أو حتى من دون صوت هو خلاف المنطق تمامًا. كان هدف عقل العمل على إزالة هذا الشذوذ من الحرف اللاتيني لكونه أكثر الحروف استعمالًا في العالم.

يرفض عقل تسمية "لغة سعيد عقل" على اعتبار انها اللغة اللبنانية التي أوجد لها أبجدية تعتمد على الحرف اللاتيني مع إضافاته الخاصة.

وأصدر سعيد عقل ديوان "يارا" في العام 1961، وديوان "خماسيات" في العام 1978 بالحرف القومي اللبناني.

 

صانع التاريخ

عالم سعيد عقل عالم مثالي لا يشبه أي عالم. فهو الشاعر والفيلسوف واللاهوتي والعاشق والعظيم، الآتي من عصر فينيقيا الغابر. وهو من ذلك الشعب العظيم الذي استحق لبنان، وقد صنع تاريخ العالم: "التراث الفينيقي تراث مذهل لو عرفه اللبنانيون كما عرفه الأوروبيون، لكانت رؤوس اللبنانيين اليوم شامخة في السماء".

يستشهد سعيد عقل بقول المؤرخ الفرنسي بول موران: "إن صور وصيدون صنعتا تاريخ العالم".

تربع سعيد عقل على عرش الشعر والكلمة كفيلسوف خارج للتو من ميثولوجيا الإغريق، سلاحه العقل والمنطق على مذبح الشعر الذي استلهمه من الحق والخير والجمال... كان بحق معلم الأجيال.

"لي صخرة علقت بالمجد أسكنها طارت بها الكتب قالت: تلك لبنان!"... رحل قائلها، رحل سعيد عقل بالفرح والغبطة التي زرعها بالعقول، إلى لبنان بالمجد يسكنه، بهدوء قدسي يعرف أن النهاية ليست سوى بداية، فقال آخر كلماته: "ما أجمل من يسوع إلا رؤية يسوع".

تيريز عودة- إيلاف