Share |

انقلاب السحر على الساحر في إيران!...بقلم: خيرالله خيرالله

خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله

 

من الضروري وضع الاحتجاجات الشعبيّة التي تشهدها إيران في إطارها الصحيح. يتمثل هذا الإطار، الذي اسمه انتفاضة شعبية حقيقيّة، في أنّ الشعب الإيراني يشعر بأن الكيل طفح وأنّ من حقه العيش في ظروف أفضل من تلك عاش في ظلّها منذ قيام نظام “الجمهوريّة الإسلاميّة” في العام 1979. لم يعد النظام يمتلك ما يكفي من الموارد لمتابعة مشروعه التوسّعي الذي يشكّل علة وجوده. ارتدت استثمارات النظام في عملية “تصدير الثورة” عليه. تبين مع مرور الوقت أن ليس لدى النظام نموذج صالح للتصدير. ليست الاحتجاجات الشعبية الراهنة سوى تعبير عن إفلاس ليس بعده إفلاس على كلّ صعيد. يشمل ذلك في طبيعة الحال الإفلاس الأيديولوجي الذي جعل رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان يتهم أميركا وإسرائيل بـ”تحريض” المتظاهرين من دون البحث عن جذور الأزمة الإيرانية ومدى ارتباطها بسياسات عدوانية خاطئة جعلت العالم، بأكثريته الساحقة، يشارك في عزل النظام الإيراني.

 

يبدو، في ضوء اتساع التحرك أنّ التغيير آت عاجلا أم آجلا، بغض النظر عن مكابرة النظام القائم. تكمن أهمية موجة الاحتجاجات الراهنة في كونها تشمل معظم أنحاء “الجمهوريّة الإسلاميّة” من جهة وفي كونها تكشف عجز السلطة عن تقديم أي حلول للمواطن العادي من جهة أخرى. قررت السلطات الإيرانية، بما في ذلك “المرشد” علي خامنئي اللجوء إلى القمع. يؤكّد ذلك قطع شبكة الإنترنت بغية الاستفراد بالمتظاهرين لعلّ القتل، في غياب الإنترنت، يشكل الوسيلة الناجعة للتعاطي مع انتفاضة شعبيّة حقيقيّة.

 

انقلب السحر على الساحر؛ ليست الاحتجاجات سوى تتويج لفشل النظام الذي أسّسه آية الله الخميني، وهو نظام لم يستطع تقديم أي حلول للمشاكل التي تعاني منها إيران

 

في نهاية المطاف، انقلب السحر على الساحر. ليست الاحتجاجات سوى تتويج لفشل النظام الذي أسّسه آية الله الخميني في العام 1979، وهو نظام لم يستطع تقديم أي حلول للمشاكل التي تعاني منها إيران. على العكس من ذلك، يتبيّن يوميا أنّ النظام الإيراني القائم على نظريّة “ولاية الفقيه” في حال هروب مستمرّة إلى خارج حدوده. بلغت اللعبة التي مارسها النظام نهاياتها. لا يدلّ على ذلك أكثر من الحلف الذي أقامته إيران مع بلد مثل فنزويلا استطاع آخر رئيسين له تحويل بلد يمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في العالم إلى بلد فقير ومنبوذ.

 

اعتمد النظام على تصدير أزماته إلى خارج الحدود بحجة “تصدير الثورة”. كان ذلك كفيلا بجعل النظام في منأى عن التغيير الداخلي. لعب القمع الذي مارسته القوات التابعة للنظام دورا في إسكات كلّ صوت يرتفع في مواجهة الظلم. شمل ذلك صوت المرأة الإيرانية التي واجهت بكل شجاعة كلّ أنواع الظلم والتمييز.

 

في الواقع، كانت الحرب مع العراق، بين 1980 و1988، خير دليل على هرب النظام، منذ قيامه، إلى خارج الحدود لتبرير فشله الداخلي. لم يستطع النظام الإيراني في يوم من الأيّام تحقيق طموحه المتمثّل، نظريا، في الاستغناء عن النفط والغاز وما يمثلانه من دخل للبلد. كلما مرّت الأيام، كلما زاد الاعتماد على النفط والغاز، على العكس مما وعد به الخميني.

 

لعبت إيران منذ قيام النظام الحالي قبل 46 عاما، دورا أكبر بكثير من حجمها. استنفدها الغرب، خصوصا أميركا، بعدما دخلت حربا مع العراق، ثمّ راحت تخيف كل دولة عربيّة خليجية. في الواقع، جعلت “الجمهوريّة الإسلامّية” كلّ دولة من دول الخليج العربي تشعر بالرغبة في التقرّب من الولايات المتحدة بدل الابتعاد عنها. باختصار شديد، لعبت إيران الدور المطلوب منها أميركيا لا أكثر.

 

مطلع العام 2026، يقف النظام الإيراني أمام ساعة الحقيقة. كان خروجه من دمشق خروجا من طهران. تماما مثلما كان الخروج من بيروت بداية النهاية للنظام العلوي في سوريا

 

يحدث حاليا أن النظام الإيراني في حاجة إلى أن يدافع عن نفسه داخل حدود “الجمهوريّة الإسلاميّة”. سقطت عمليا كل رهاناته على أنّه قادر على فرض هيمنته الإقليمية عبر أدواته في المنطقة بدءا بـ”حزب الله” في لبنان وانتهاء بالحوثيين في اليمن… مرورا بالنظام الأقلوي في سوريا، وهو نظام زال من الوجود إلى غير رجعة. كانت سيطرة “الجمهوريّة الإسلاميّة” على سوريا عملا غير طبيعي يقوم على تهجير شعب من بلده كي يحصل تغيير ذو طابع ديموغرافي.

 

في آخر المطاف، لا يصحّ إلّا الصحيح. بات على النظام الإيراني الانصراف إلى معالجة مشاكله في الداخل. بات عليه مواجهة الحقيقة المتمثلة في أنّ الاستثمار في تصدير الأزمات الداخليّة إلى خارج الحدود لم يعد سياسة فعّالة. لا يطالب المتظاهرون في طهران والمدن الأخرى، بما في ذلك تبريز وأصفهان ومشهد بغير معرفة إلى أين ذهبت أموال إيران. ماذا نفع “الجمهوريّة الإسلامية” الاستثمار في ميليشيات مذهبية وأخرى سنّية مثل “حماس”، فيما نصف الشعب الإيراني يعيش تحت خطّ الفقر.

 

كلّ ما في الأمر أن إيران تواجه حاليا ساعة الحقيقة. يحتاج الشعب الإيراني إلى أجوبة واضحة عمّا فعلته السلطة بأموال الدولة الإيرانيّة التي ذهبت إلى الاستثمار في تخريب لبنان وتدميره عن طريق “حزب الله”. هذا على سبيل المثال وليس الحصر.

 

فرضت ساعة الحقيقة نفسها منتصف العام 2025 عندما تعرّضت إيران لهجوم إسرائيلي تلاه هجوم أميركي. تبيّن أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” ليست سوى نمر من ورق وأن لحظة الحساب مع الشعب الإيراني حلت ولم يعد من مجال للهرب منها. تبيّن أن لا مفرّ من الاعتراف بالفشل. إنّه فشل بدأ في لبنان وسوريا وانتهى في فنزويلا التي كانت، قبل خطف نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك، قاعدة في غاية الأهمّية للتحايل الإيراني على العقوبات الأميركيّة من جهة وتوفير الدعم لـ”حزب الله” من جهة أخرى.

 

مطلع العام 2026، يقف النظام الإيراني أمام ساعة الحقيقة. كان خروجه من دمشق خروجا من طهران. تماما مثلما كان الخروج من بيروت بداية النهاية للنظام العلوي في سوريا. لم يعد من مجال للهرب من الواقع. إذا لم يسقط النظام هذه السنة، كما هو متوقّع، سيسقط في السنة المقبلة. هناك لعبة انتهت. العالم تغيّر. المنطقة تغيّرت من الطبيعي مجيء اليوم الذي ستتغيّر فيه إيران.

 

 

المصدر: موقع العرب