Share |

قصص قصيرة

في بيت قروي كانت تعيش عائلة مؤلفة من ثلاثة أطفال وأم وأب مريض، ومنذ الصف الأول الابتدائي، اعتاد أصغرهم سناً على الذهاب إلى المدرسة صباحاً، والتناوب بعد الظهر مع إخوانه على رعي الماشية والعمل في الحقل الزراعي.

في طبع الحمائم في السياسة: قامت الحمامةُ بزيارة البوم في منزله تشكو إليه الصقرَ قائلةً:

مفاجأة عيد ميلاد :   حين انتصف اللّيل، وهبط الصمت على المدينة طائراً من رصاص، استسلم الجميع لملك النوم: الآباء بعد أن وضعوا الهدايا تحت وسائد أطفالهم، والأطفال وهم يحلمون بقدوم بابا نويل.  لم يتوقع أحد منهم أن يحدث له ما حدث. إذ كانت هذه الليلة أيضاً، وللسنة الخامسة، رأس سنة بلا طاولة عامرة بالفاكهة والحلويات، ولا مفرقعات مضيئة تملأ السماء.  

يشعل إبراهيم سيجارة تلو أخرى مع فنجان من قهوة مرة في مقهى بضواحي إحدى كبرى المدن المانيا ،أحياناً لا يبين  تفاصيل وجهه من ضباب الدخان الكثيف وكأنه يريد أن يحجب نفسه عن العالم وأحياناً أخرى وبنبرة ملؤها ألم وسقم الإرهاق البادئ من حديثه وعيون مائل للاحمرار ومنفوخ بالدمع ومقدوح بالشرار يسرد لنا  قصته مع أمل.إبراهيم شاب في الثامنة والثلاثين من العمر ، وذو لحية متوسطة الطول وشعر قصير، متزوج منذ سبع سنوات من أمل التي تصغره بست سنوات،  ولهما طفلان (بنت وصبي). قصة إبراهيم . . وغربة ألمانيا !  

نظر من نافذة منزله المطلة على الشارع انغرزت أشعة الشمس المتعاكسةعلى خد الثلج عيونه. عاد خطوتين إلى الوراء،  أمعن في حركة المارة يروحون و يغدون غير آبهين بتراكم الثلوج، هو وحده لم يألف هذاالمشهد. تذكر كيف كان المشهد في وطنه لما كانت الثلج يسقط، حيث تتعطل المدارس، و  ينقطع التيار الكهربائي. الأطفال و الشباب  ينزلون إلى الشوارع، و يقذفون بعضهم بعضاً  بكرات الثلج و التي كانت لا تخلو بعض  الأحايين من الأذية، لكن لا أحد  يشكو لأنه  خيرٌ و نعمةٌ قد لا تتكرر في سنوات قادمة.

      في الغرفة الصغیرة التي لفها نور خافت وحول الطاولة العامرة بما لذ وطاب من علب وقناني المشروبات وانواع المزات والمزدحمة بنفاضات السجائر الممتلئة باعقاب السجائر الصفراء والبیضاء، کانوا یجلسون صامتین یبدون کمریدي شیخ الطریقة في تأثرهم ولهفتهم وقد تحولوا کلهم الی آذان صاغیة الی ذلك الذي کان یحتل طرفاً من الطاولة ویضع امامه بضعة اوراق وهو یحرك نضارتیه ویرمق الاوراق بطرف عینیه بین الفینة والاخری.

حاول أن يكبت مشاعر الغيظ المتراكم , التي كانت تغلي داخل صدره وهو يسير دافعا بقدمه اليسرى دفعا و جارا خلفه اليمنى بتثاقل.. الأحمال كانت جسيمة على كاهله…. أحسّ كأنها أغلال صدئة غليظة تعيق قدميه من السير ويديه من الحركة. يمشى مطأطأ الرأس بعد أن عجز مرة تلو الأخرى من النهوض بقامته مرفوع الرأس , حيث خذله ظهره الذي بدى و كأن به تشوهات قوامية ولادية ,على الرغم من أنه كان يوما مثالا في الرشاقة.

هي الطامة الكبرى عينها أن تقطع حدوداً بين دولٍ براً وبشكل غير شرعي طلبا للأمن وهربا من جحيم حرب مجنونة لا ناقة لك فيها ولا جمل وقد بلغت من العمر عتياً، ثمانين ونيف من السنين. تلك هي حال أمي التي قضت كل أيام عمرها في قرية صغيرة في الشمال السوري دون أن تفكر يوما في مغادرة بيتها الريفي المتواضع المزين ببضع شجيرات زيتون وبضعة حيوانات أليفة إلا في نعش محمول على أكف إلى مثواها الأخير. لكن للدهر نوائبه التي تأتي على حين غرة ومن حيث لا يحتسب وتقلب أعالي الأمورأسافلها كما الأعاصير الهائجة تقلع الأشجار المتشبثة بالأرض من جذورها وترميها.

  يُقال: كان هناك رجل فقير يعيش كفاف العيش مع زوجته وأولاده, لكنّ فكرة ملعونة نطّت إلى فكره, شغلت باله, وأقلقت سكينته, تكمن في رغبته مجاراة المنعمين والمرفّهين بغية الوصول إلى مقامهم الرّفيع والعزف على مختلفِ الأنغام والأوتار

لم أكن أدري حينها هل كنتُ آلهٍ أم إنسان أومن عالم الجان. لم يكن لدي اعتراض على من يمدني يد العون والمساعدة إن كان من السماء أو من الأرض , من السياسيين أو من المستقلين الجبناء  .   لكون ما مررت فيه كان خارج كل المفاهيم ولايخضع لبرودةٍ أو احتراق , ربما كنتُ في وضعكان فيه الخالق يغط في غفوة عميقة لذلك أغفلق ديستي الصغيرة (  شيرين ) وجعلها فريسة سهلة بين أنياب مؤمنيه المميزين.

      أحد الجلساء معنا مغن شعبي قديم يحشر ذاته بكل شاردة وواردة , سمعنا نتبادل أطراف الحديث عن الشعر والشعراء ولدى ذكر أحدنا الشاعر الاسباني لوركا.     فزَّ صاحبنا خوشو وقال:     أتدرون ..هذا الـ( لوركا ) اللعين لن أسامحه بكأس الحمص الملآن ..؟.     - الجميع نظروا إليه بدهشة ..ماذا تقول ...؟.

  حين تبكي الآلهة     قصة قصيرة مهداة إلى أرواح شهداء مدرسة (قبك) الابتدائية في ذلك الصباح الخريفي الأسود ..دق جرس المدرسة إيذاناً للتلاميذ بالخروج لاستراحة قصيرة في باحة مدرسة (قبك) الابتدائية..ولسائق الشاحنة الذي نفذ صبره و تعبت أصابعه من النقر على المقود.

الطعام الممزوج بالدم أدخل بين الجموع الغاضبة و التي تصرخ بجنون ..!! ها هو صديقي ياسر غارقا بدمائه ..؟؟ أتقدم نحوه و أحمله محاولا إنقاذه قبل أن يسلم روحه لرب السماء . الحمد الله سيارة الاسعاف قد قدمت . أضع صديقي داخلها و تذهب سيارة الإسعاف و تطلق صوتها المخيف في المكان . أنظر إلى نفسي و أجد أن دماء صديقي قد صبغت ثيابي . التفت حولي و إذ أجد كل الناس غاضبين و هم يساعدون اهاليهم و اصدقائهم بعد حدوث الانفجار المدوي .

  ست وثمانون درجة أرتقيها لأصل إلى باب حديدي ضخم ذي مصراعين يعلوه آيات من البيان الإلهي تنتأ حروفها من جدر سميكة جليلة، أجتاز البوابة وأسلك ممرات وعرة ودهاليز وقاعات وقناطر حجرية بديعة حتى أصل إلى مقام الخضر الرابض بجوار الأسدين: الضاحك والباكي،

  ارتدت ملابسها الزيتية ووضعت شريطان أحمران على كتفيها ، ثم شدت شعرها من الخلف و اتجهت نحو المرآة لترتب وضع سيدارتها ،نظرت إلى الساعة التي كانت تشير آنذاك إلى الثامنة إلا ربعاً ، ابتسمت وخرجت للحاق بزميلاتها اللاتي تنتظرن بعضهن في نفس الموعد . خرجت بدوري – بعدها بلحظات – إلى متجري , وأنا في الطريق أفكر في كيفية ترتيب واستلام البضاعة الجديدة المستوردة من ( ... .. ) . ما إن دخلت للتو حتى لمحتها وهي متجه نحوي ، ظننت بأن هناك حصة فراغ في المدرسة قد غاب عنها المدرس .أو أنها بحاجة إلى مبلغ من المال لشراء دفتر أو لوازم مدرسية .

  عندما تتمرد الحيرة على بساط الذات ، تتقلص الثقة إلى حد الاختزال وحين تتكبد ذاكرة الإنسان في كهف التساؤلات تشرأب أشواك القلق على سكينته مهما تعقل واتزن ،هكذا أحسست وأنا أقف مع ذاتي دائنة ومدينة حاكمة ومحكومة ،أقود ذاتي على كسل وتقودني على عجل ،

   ذات ليلة ٍباردةٍ.... ليس على سبيل الموت... إنما من باب صيرورتي إلى شخص لامرئي...رأيتني ببساطة أغادر جسدي ! وكان لا بد لي من التسلل عبر ثقب الباب , فجدتي كانت قد أحكمت إغلاق المنافذ في بيتنا النائم على قارعة النهر....

  كان الشتاء حاضراً بصرامة، رياحٌ ثقيلة تهز المصاريع وتنثر كل ما يصادف طريقها، تتقاذف بها في السماء كأنها تراقصها رقصة إجبارية صاخبة على موسيقى الطبيعة والرياح..  حمل الرجل ابنته الصغيرة وخرج من البيت بائساً يلتحف بمعطفٍ رماديٍ داكن تغطي أقدامه جزمة سوداء مرتفعة حتى قبل ركبتيه، البخار يخرج من أنفه وأحياناً من فمه كأنما يدخن لفافةً موسمية لا تنطفئ إلا بانطفاء الشتاء..

               اجتمع حمير البلدة بعد يوم شاق من العمل والعتالة سرا في وادٍ هو بقايا لنهر كان يمر من أطراف المدينة  ، فتحوا محاضرهم وجداول أعمالهم لهذا الاجتماع ، وبعد دقيقة صمت على روح أحد رفاقهم ، ألقى رفيق المغدور نهقة حزينة ، تهدلت شفته وتهدج صوته ، ثم تدفق ينبوعا من الدموع وهو يذكر خصال رفيقهم وكيف بذاك الذي يسمى نفسه ببني آدم دهسه بلا شفقة ولا رحمة من دون أن يجهد نفسه  قليلا على دعسة الكابح كي لا ينزع عجلات السيارة ،وقال :،

    استفاق عقله المتهالك من حلمه المزعج وبقي جسده نائماً هنيهة, نظر للساعة القديمة مفترشةً الحائط الرطب, وبدأ الحديث مع ذاته في سره وهو يتمطى من الخمول والنعاس...إنها الخامسة وعشر دقائق, هاهو الفجر حضر مسرعاً من جديد وليس به جديد, نركل خاصرة التكرار في اليوم و الشهر والسنة, كم أتمنى أن أعود للنوم في هذا الصباح البارد, تبّاً للوظيفة وللأولاد... - متى سأتقاعد وأرتاح من هموم الحياة ... ؟

    الزمن يمضي حقا، الغريب أن كل واحد منا يظن نفسه بمعزل عن هذا المضي ، أقولها بطريقة أخرى: هذه الحياة هي مسرحية كلنا أبطالا فيها، لكن الكل يظن نفسه متفرج!! الحاصل.... هذه الفلسفة تعلمتها من صديقي زورو الذي الذي لم تفته فرصة مشاهدة فيلم سينمائي واحد ، منذ أيام الطفولة المبكرة وحتى سنين الشباب الأولى. تعلم الانكليزية من أفلام رعاة البقر(الكاوبوي)والهندية من أغاني شامي كابور ومقارعة الأعداء بالسيف من (هرقل يس). عالم كامل يحمله في رأسه الصغير.  

  خطر بباله أن يستعيرَ من كل ّ قاموسٍ مفردة, يجمعها في سلّة المشاعر, يقدّمها إليها على شكلِ سنبلةٍ  نهار العيد الجديد. نبشت في صميم ذاكرتها عن جملةٍ ما تزالُ تدغدغُ عنق الرّحمِ, أمسكتْ بها, نفثتْ فيها من وحي عشقها وهي تتمتمُ بعض الأحرف الشّاردة, ثمّ سكبتها في مَزْنِ تأمّله. السّنبلة اكتملتْ فصارت قاموساً ينطقُ بكلّ الّلغات والّلهجات. المَزْنُ انهمرتْ, في عينيّ الأرض, فباتَ الخصبُ مؤنس كلّ الفصول.