Share |

ليلة الشتاء يلدا الكُردية في باريس…آناهيتا حمو. باريس

حين يلتقي نور الشعوب على إنسانية واحدة

كانون الأول… شهر الخير والسلام، حيث تتقاطع الأعياد وتتشابك أنوارها، ويغدو الفرح لغةً إنسانية مشتركة، يتقاسمها كل من يؤمن بحرية الشعوب وحقها في العيش بكرامة ونضال ومصير إنساني واحد.

في باريس، مدينة الضوء، امتزجت أنغام  الفن والتاريخ والثقافة الكُردية بالثقافة العالمية:"موزارت وبيتهوفن ورخمانينوف وموريس رفاءيل  بلحنٍ كُرديٍّ عميق، خلال الاحتفال بيوم العلم الكُردستاني، بحضور نخبة من الشخصيات الكُردية والفرنسية. كان المشهد أكثر من احتفال؛ كان إعلاناً ثقافياً وتظاهرة ينم عن جوهر وقيم شعبٍ حيّ، يرى في الفن والموسيقى والتراث جسوراً نحو العالم.

كذلك غمرنا نور،هي ليلة يلدا، تسرد مسيرة أطول ليالي الشتاء، احتفلنا بالنور. أشعلنا الشموع كما يحتفي الكُرد في أجزاء كُردستان الأربعة في مدنناالكُردية: آمده، هولير، قامشلو، مهاباد، ، نعزف بها سمفونية كُردية عالمية، توحّدنا رغم الجغرافيا والحدود. وفي تلك الليلة، أضاء برج إيفل باريس بنوره، فارتدت المدينة حلّة رمزية تشبه روح يلدا: انتصار الضوء على العتمة.إنتصار إله الخير والسلام على إله الشر هي كما تسردها الفلسفة الكُردية الإيزيدية القديمة "صراع العروش "آهورمزدا وأهريمان؟

خلف نافذتي، تعرت الأشجارفي موسمها الخريف في حديقتي أمست أغصانٌ عارية تداعبها نسائم يلدا ونورها شموع أنوثة دفيء الشتاء، وحدها شجرة الزيتون صمدت، خضراء بأوراقها، مثقلة بثمارها، تغتسل بمطر كانون الأول… كما صمدت الشعوب التي لم تتخلَّ عن جذورها رغم القسوة.

في هذا الشهر الفضيل، نحتفي بأسلافنا الكُرد وتاريخنا الإنساني، لا بوصفنا شعباً واحدا فقط، بل كبشرٍ يشتركون في الحلم ذاته: نتأمل بحزم وبحب عالم آمن لأطفالنا. حيث ترتدي  المدن بياض الحمام وأضواء السلام، علّها تبعد عن البشرية خطر الحروب وظلامها، ويسعفنا النور من جديد.

أمام الشموع وحبات الرمان، يحتفي الكُرد بتاريخهم العريق، الممتد إلى عهودٍ سحيقة، في ليلة يلدا التي تتزامن مع أعياد إخوتنا من الديانات اليهودية والمسيحية.  كعيد "هانوكا" عيد النور حيث احتفت الجاليات اليهودية . قبل أيام، احتفل إخوتنا اليهود بعيد النور، وامتلأت وسائل التواصل بصور الشموع والأمل، وقبيل أعياد الميلاد المجيد، ارتدت باريس أبهى حللها:

من الشانزليزيه، إلى كنيسة القلب المقدس، وحدائق قصر فرساي، وعروض الموسيقى العالمية، وصولاً إلى برج إيفل الذي يشع ألواناً ترحّب بزوار العالم.

في زحام المترو، وبين ضحكات الأطفال ووجوه العائلات القادمة من كل حدب وصوب، تتجسد بهجة نهاية عام 2025. ولا بهجة تعادل بهجة الأطفال… أولئك الذين يستحقون الفرح بلا خوف.

وفي سياق هذا الفرح الإنساني، برزت مؤخراً لوحات تضامن مع شعوب القبائل(Kabyle)، أعادت إلى الذاكرة تاريخ الشعوب المضطهدة، ومنها الشعب الكُردي. كلماتهم لامست وجداننا:

قد يرفع الاحتلال رايته فوق المباني،

لكنّه لا يستطيع رفعها فوق قلوب الناس.

قد يمنع اللغة في المدارس،

لكنّه لا يستطيع انتزاعها من أفواه الصغار.

قد يزوّر التاريخ،

لكنّه لا يستطيع طمس الحقيقة.

عبارةٌ مختصرة وردت على صفحات التواصل الإجتماعي للأخوة في جمهورية القبائل المعلنة حديثاً في باريس، تختصر أيضأ حياة شبيهة بحياة الكُرد. فالقبائل شعبٌ كان له كيانه قبل ترسيم حدود الإستعمار، كما للكُرد تاريخهم كُردستان موحدة قبل التقسيم، قبل أن تُتجزَّأ أرضهم. لعل إعلان دولة أمازيغية يوماً ما، وعلى أرضهم التاريخية، يوازي في الوجدان حلم إعلان الدولة الكُردية، حلمٌ نكتبه اليوم بمداد الأمل.

أيُّ عيدٍ يغمرنا نحن الذين عانينا الغدر والإضطهاد؟

إنه عيد النور…النوروز أيضاً قادم، عيد الشموع… عيد حرية الأطفال.

كما يستحق الفرح أطفال كُردستان والعالم، يستحقه أطفال الكُرد العظيم، وأطفال الإيزيديين الذين احتفلوا بعيد صومهم قبل أيام في شهر كانون الأول والذين ذاقوا الألم تاريخياً ، ليكون كانون الأول شهر شفاء لجراحات الأخوة في شنكَال منها تشردالأطفال كماتسردالمسؤولة معبرة عن أسفها الناشطة  الكُردية الإيزيدية فيان دخيل :"بأن الأطفال يعيشون حالةإغتراب وإقتلاع حقيقي عن جذورهم، كانون الأول لا ذاكرة جراح فقط، وشهر تضامن مع كل شعب يستحق الحرية، ومع حقوق كل طفل يستحق أن يكبر في ضوءٍ لا في ظلام.

في ليلة يلدا، نؤمن من جديد:

أن النور، مهما طال الليل، لا يُهزم.