Share |

مواطنون في ديار بكر يرحبون بوقف القتال.. ويشككون في استمراره

التقتهم «الشرق الأوسط» بينما كانت رسالة أوجلان تتلى على الملأ في المدينة التركية
إيمنين تحمل صورة ابنها ماهر والى جوارها زين وعمر («الشرق الأوسط»)
إيمنين تحمل صورة ابنها ماهر والى جوارها زين وعمر («الشرق الأوسط»)

 

 

كانت إيمنين أوزبك وزين يلماظ قد التقتا للتو، لكنهما تمتلكان بالفعل الكثير من القواسم المشتركة. فتقول إيمنين عن ابنها ماهر: «كان شخصا لطيفا، ولم يقدم أبدا على إيذاء أحد». وعندما حان دور زين في الحديث عن ابنها حملت كلماتها نفس فحوى عبارات صديقتها الجديدة، وقالت: «كنا نود أن يكمل دراسته ليشغل منصبا مرموقا، لكنه ذهب إلى الجبال، فماذا عسانا أن نفعل؟».

«ذهب إلى الجبال»، هذا هو التعبير الدارج الذي يستخدمه الرجال والنساء في جنوب شرقي تركيا للتعبير عن انضمام أبنائهم إلى صفوف حزب العمال الكردستاني في حرب العصابات التي يشنها ضد الحكومة التركية، وتتردد على مسامعك آلاف المرات في شوارع ديار بكر، العاصمة الفعلية لسكان جنوب شرقي تركيا من الأكراد.

بداخل شقة إيمنين الصغيرة الواقعة على مشارف المدينة جلست السيدتان سويا على أريكة مع زوج زين، عمر، لترويا قصصا تتشابه جميعها في تفاصيلها الحزينة. إنها عشية عيد النوروز. بداية السنة الفارسية الجديدة التي يحتفل بها الأكراد أيضا وقد سافرت زين وعمر 70 كيلومترا من قريتهم للمشاركة في احتفالات المدينة، ووفق التقاليد الكردية وفرت إيمنين لهم مكانا للإقامة في منزلها.

على الحائط علقت صورتين لشاب جاد القسمات، ماهر ابن إيمنين، يظهر في أحدهما طالب مرتديا قميصا أبيض وقصة شعر طفولية، والأخرى وهو يرتدي الزي العسكري لحزب العمال الكردستاني، حاملا الكلاشنيكوف. وتصف إيمنين باكية رحلته من طالب في طب الأسنان إلى مقاتل.

وقالت: «التحق بالجامعة لكنه تركها بعد عام وسافر إلى أوروبا. علمنا حينها أنه يفكر في المشاركة في القتال وعندما لم نتمكن من الاتصال به عبر الهاتف بعد ذلك علمنا أنه ذهب». لم يخبر ماهر سوى شقيقه برغبته في الانضمام إلى حرب العصابات، وكانت كل الأخبار التي ترد إلى إيمنين ينقلها إليها ابنها أو آخرين. وأضافت: «لم تردنا منه أي اتصالات، لكن بعض الأشخاص في ديار بكر يذهبون أحيانا لزيارة الجبال، وعندما يعودون يخبرونني أنه لا يزال حيا».

كانت إيمنين تحاول جاهدة معرفة متى سيعود ماهر، إذا حدث ذلك، من هذه الجبال. أما زين فتقول إن نضال ولدها بدأ منذ يوم مولده، فقالت: «عندما ذهبت لتسجيله قالوا لي (السلطات التركية) إن ذلك غير مسموح به. وكان علي أن أمنحه اسما تركيا، لذا سجلته باسم رمضان. خلال فترة مراهقته شارك رمضان في المظاهرات المناوئة للحكومة التركية ثم اعتقل وأفرج عنه ثم اعتقل مرة أخرى واستمرت الأوضاع على هذا النحو حتى الاحتفالات بعيد النوروز عام 2007، حيث اعتقل ما يزيد على 100 شخص ذلك العام وبعد اشتعال النيران اقتحمت الشرطة منزلها لاعتقال ولدها، وقال: «لذا قلت له تأخر في المدرسة، لكنه لم يعد إلى المنزل في ذلك اليوم على الإطلاق، وسمعت أنه توجه إلى الجبال وبعد أسابيع قليلة شاهدته على التلفزيون وعلمت أن الأمر صحيح».

وكحال إيمنين، لم تسمع زين أي شيء آخر عن ولدها، وتقول: «ليست لدي فكرة عما يفعله منذ ذلك الحين، فقد حمل اسما مختلفا في الجبال».

ختام هاتين القصتين كان مأساويا أيضا، ومتشابه على الأرجح. فقد قتل ماهر في عام 2010 بعد 11 عاما من القتال في صفوف حزب العمال الكردستاني، أما رمضان فمات في مايو (أيار) 2012 في واحدة من أكثر السنوات دموية في الصراع. واكتشفت السيدتان أن ابنيهما قتلا عندما شاهدا صورهما على التلفزيون، وتتساءل زين: «كيف يكون رد فعلك عندما تكتشفين أن ابنك مات؟ إنه أسوأ ما قد يحدث للإنسان».

ولكن عيد النوروز قد يقدم بصيصا من الأمل لكل من إيمنين، وزين، والآلاف من الأمهات الكرديات في ديار بكر اللاتي فقدن أبناءهن في الجبال. فقد دعا عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني من وراء القضبان إلى وقف إطلاق النار، ووضع حد للأعمال العدائية التي يمارسها الأكراد الأتراك ضد الحكومة التركية وإلى تراجع المقاتلين عن حدود الجبال التركية. أشار بعض المتهكمين إلى أن أوجلان بهذه الدعوات أصبح انتهازيا يخون أكراد تركيا بهدف الحصول على جائزة كبرى، ألا وهي دولة كردية منفصلة داخل البلاد السورية الممزقة. يبدو أن شعب ديار بكر لم يجنو إلا القليل من وقف إطلاق النار، فبالتأكيد لم يحصلوا على دولة كردية منفصلة شن من أجلها حزب العمال الكردستاني حربا دموية ظلت مستعرة لنحو 30 عاما. وهنا تؤكد إيمنين أن وقف إطلاق النار يعد خطوة إيجابية عبر قولها: «نحن نثق في قائدنا (أوجلان) ونود أن يكون هناك سلام على أرض الواقع». ولكن زين توافق على قالته إيمنين بصورة مبدئية. «لقد قمنا في السابق بوقف لإطلاق النار ولكن الحكومة لم توف بوعودها، فمع أننا نشعر بالأمل، تساورنا الكثير من المخاوف أيضا».

وفي الواقع، يعتمد وقف إطلاق النار في الأساس على عقلية وتصرفات عامة الناس الذي تعيش هنا في ديار بكر والقرى الكائنة في جنوب شرقي تركيا، ولا تعتمد على تصريحات زعيم مسجون تفصله مئات الكيلومترات عن الغرب. ويقول عمر زوج زين: «كانت المشكلة الكردية موجودة قبل حزب العمال الكردستاني، وإنها لا يمكن أن تحل إلا إذا منحنا الحق في التحدث بلغتنا والعيش دون تمييز». وقد تكون تلك الحقوق ليست كافية. لكن حزب العمال الكردستاني وعد أكراد تركيا على مدار ثلاثين عاما بمنحهم دولة خاصة بهم. لقد كانت تلك الأمنية ما ناضل من أجله الآلاف من الشباب والشابات أمثال ماهر ورمضان، ولقوا حتفهم في النهاية. ويقول أحد الشباب وهو يلوح بعلم في الاحتفال بعيد النوروز: «مرحبا بكم في تركيا»، ولكن سرعان ما صحح له صديقه خطأه قائلا: «مرحبا بكم في كردستان».

ديار بكر: هانا لوسيندا سميث

المصدر: جريدة الشرق الأوسط،  العدد 12533 ، تاريخ  الاثنين 22 مارس 2013م